المؤمنين ، وأنّ المؤمن لا يتم له إيمان حتّى يكون صلىاللهعليهوآلهوسلم أحب إليه من نفسه وماله وأهله ، ومن شك في ذلك فهو شاك في البديهيات الدينية.
وهنا يقع الكلام في المقام الثاني ، وهو ما يتحقق به التكريم ، وما يمكن الاستقلال به على أنه صادق في حبّ النبي ، وإليك البحث فيه.
الثاني : الاحتفال تجسيد لتكريم النبي
أذا دلّت الآيات والأحاديث على لزوم تكريم النبي وتعظيمه أولا ، وحبه ومودته ثانياً ، فعندئذ يقع الكلام : فيما يتحقق به ذلك الأصل ، وتتجسم به هذه الفريضة.
لا شك أنّ لتكريم الإنسان وتعظيمه طرقاً مختلفة مألوفة للناس ، ولكن صاحب الشخصية العالمية إذا أراد الشعب المسلم تكريمه وتعظيمه ، فالاحتفال بولادته وإقامة العزاء يوم رحلته ، تكريم وتعظيم له ، وتجسيد لذلك الأصل الّذي نطق به الكتاب والسنة ، وليس ذلك أمراً خفياً على الناس فإنّ العقلاء بفطرتهم يحتفلون بذكرى شخصياتهم ولادة ووفاة ، تكريماً واحتراماً لهم ، والفرق بين تكريم النبي وتكريم تلك الشخصيات أنّ تكريمهم من قبيل التقاليد والآداب الشعبية ، فلو لم يرد حظر منه كفى في جواز ذلك عدم الحظر.
وأمّا تكريم النبي الأكرم فله أصل في الشريعة الغرّاء ، وله تجليات في الظروف المختلفة ، فلو احتفل المؤمنون في كل دورة وكورة بميلاد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من دون اقتراف المعاصي والمنكرات ، وأقاموا احتفالا حاشداً يبهر العيون ويحير العقول ، فقام الخطباء فيه بإلقاء الكلم حول فضائله ومناقبه ، وما نزل في حقه من الآيات والآثار ، وما ضحّى بنفسه ونفيسه في طريق هداية أُمته ، وقام الشعراء بإنشاء القصائد الّتي تُستلهم من الكتاب والسنة خالية عن الغلو والإفراط ، ثم قاموا بإطعام الإخوان والمحبين لرسول اللّه من مال اللّه الّذي جعل الناس فيه مستخلِفين ، ... فلا شك أنهم جسدوا ذلك الأصل الرصين ( تكريم النبي وتعظيمه ) بعملهم المشرق ، كما أظهروا بذلك محبتهم وولاءهم لصاحب الرسالة.
![بحوث في الملل والنّحل [ ج ٤ ] بحوث في الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F62_almelal-wa-alnahal-4%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

