(لَيْسَ الْبِرَّ) في الجزء الثاني ان اللقيط يوشك ان يدخل في معنى ابن السبيل. واختار بعض اذكياء المعاصرين في رسالة له ان هذا هو المعنى المراد ، واللفظ يتسع للقيط ولا سيما في باب الاحسان ما لا يتسع لغيره ، وهو أولى وأجدر من اليتيم بما ذكرنا من الحكمة والفقه في الامر بالاحسان به ، وانما غفل جماهير المفسرين عن ذكره لندرة اللقطاء في زمن المتقدمين منهم ، ولاحظ للمتأخرين من التأليف الا النقل عنهم ، لانهم في الغالب قد حرموا على انفسهم الاستقلال في الفهم لئلا يكون من الاجتهاد الذي تواطؤا على القول باقفال بابه ، وانقراض أربابه ، والرضي باستبدال الجهل به ، فان غير المستقل بفهم الشيء لا يسمى عالما به كما هو بديهي وعليه اجماع علماء السلف.
وقد كثر في هذه الازمنة اللقطاء ولو لا عناية الجمعيات الدينية من الاوربيين بجمعهم وتربيتهم وتعليمهم لكان شرهم في البلاد مستطيرا ، فلله در هؤلاء الاوربيين ما اشد عنايتهم بدينهم ، ونفع الناس به بحسب اجتهادهم واستطاعتهم ، ويالله ما أشد غفلة المسلمين وجهل جماهيرهم بأنفسهم وبغيرهم فانهم يزعمون انهم أشد من الافرنج عناية بدينهم وغيرة عليه وعملا به بل يزعمون أن الافرنج قد تركوا الدين ألبتة ، يستنبطون هذه النتيجة من بعض أحرارهم الغالين الذين يلقونهم فيسمعون منهم كلم الالحاد ، أو من السياسيين منهم الذين يزلزلون ثقتنا بالدين لما يجهل اكثرنا من المقاصد والاغراض ، ونحن احق الناس بتربية اللقطاء ، وجميع انواع البر والاحسان.
قال تعالى (وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) أي واحسنوا بما ملكت ايمانكم ، من فتيانكم وفتياتكم ، وعبر في آية البر وفي آية الصدقات (٩ : ٦١) بقوله (وَفِي الرِّقابِ) أي تحريرها وهذا هو الاحسان الاتم الاكمل وهو من المالك يحصل بعتقهم ، ومن غيره باعانتهم على شراء انفسهم دفعة واحدة او نجوما واقساطا وهو المعبر عنه بالمكاتبة ، ودون هذا إحسان المالكين المعاملة اذا استبقوهم لخدمتهم وبينت السنة ذلك قولا وعملا ومنها ان لا يكلفوا ما لا يطيقون. وروى الشيخان وابو داود والترمذي من حديث ابي ذر مرفوعا «هم اخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
