حتى ان كل واحد منهما يؤاخذ الآخر على دقائق خطرات الحب ، وخفايا خلجات القلب ، يستشفها من وراء الحجب ، او توحيها اليه حركات الاجفان ، أو يستنبطها من فلتات اللسان ، اذا لم تصرح بها شواهد الامتحان ، فهما يتغايران في اخفى ما يشتركان فيه ، ويكتفيان بشهادة الظنة والوهم عليه ، فيغريهما ذلك بالتنازع في كل ما يقصر فيه أحدهما ، من الامور المشتركة بينهما ، وما اكثرها ، واعسر التوقي منها ، فكثيرا ما يفضي التنازع ، الى التقاطع ، والتغاير الى التدابر ، فان تعاتبا فجدل ومراء ، لا استعتاب واسترضاء ، حتي يحل الكره والبغضاء ، محل الحب والهناء ، لذلك يصح لك أن تحكم إن كنت عليما بالاخلاق والطباع ، خبيرا بشؤون الاجتماع ، بأن تلك الحكمة التي أرسلها امير المؤمنين عمر بن الخطاب ، (رضي الله عنه) هي القاعدة الثابتة الصحيحة في جميع الامم وجميع الاعصار ، وانها يجب ان تكون في محل الذكرى من الحكمين ، اللذين يريدان إصلاح ما بين الزوجين ، كما يجب ان يعرفها ولا ينساها جميع الازواج ـ تلك الحكمة هي قوله للتي صرحت بأنها لا تحب زوجها : اذا كانت احدا كن لا تحب احدنا فلا تخبره بذلك فان اقل البيوت ما بني على المحبة وإنما يعيش (او قال يتعاشر) الناس بالحسب والاسلام. اي إن حسب كل من الزوجين وشرفه انما يحفظ بحسن عشرته للآخر وكذلك الاسلام يأمرهما بأن يتعاشرا بالمعروف (راجع تفسير (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً)).
قد اهتدى الافرنج الى العمل بهذه الحكمة البالغة بعد ان استبحر علم النفس والاخلاق وتدبير المنزل عندهم فربوا نساءهم ورجالهم على احترام رابطة الزوجية وعلى ان يجتهد كل من الزوجين ان يعيشا بالمحبة فان لم يسعدا بها فليعيشا بالحسب وهو تكريم كل منهما للآخر ومراعاته لشرفه وقيامه بما يجب له من الآداب والاعمال التي جرى عليها عرف امتهم. ثم يعذره فيما وراء ذلك وان علم انه لا يحبه فلا يذكر له ذلك ، وقد صرحوا بان سعادة المحبة الزوجية الخالصة قلما تمتع بها زوجان وان كانت امنية كل الازواج ، وانما يستبدلون بها المودّة العملية. ولكنهم باباحة المخالطة والتبرج قد افرطوا فى إرخاء العنان ، حتي صار الازواج يتسامحون فى السفاح أو اتخاذ الاخدان ، وهذا ما يعصم مجموع امتنا منه الاسلام.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
