الاستاذ الامام : بعد ما بين الله تعالى لنا من شأن أهل الكتاب ما بينه حتى تفضيلهم المشركين في الهداية على المؤمنين بالله وحده وبجميع كتبه ورسله ادبنا بهذا الادب العالي وامرنا بالامانة العامة وهي الاعتراف بالحق سواء كان الحق حسيا أو معنويا فقال (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها) فالكلام متصل بما قبله بمناسبة قوية تجعل السياق كعقد من الجوهر متناسب اللآلئ فسواء صح ما ذكر من حكاية مفتاح الكعبة أو لم يصح فان صحته لا تضر بالتئام السياق ولا بعموم الحكم اذ السبب الخاص لا ينافي عموم الحكم.
والامانة حق عند المكلف يتعلق به حق غيره ويودعه لاجل ان يوصله الى ذلك الغير كالمال والعلم سواء كان المودع عنده ذلك الحق قد تعاقد مع المودع علي ذلك بعقد قولي خاص صرح فيه بأنه يجب على المودع عنده أن يؤدي كذا الي فلان مثلا أم لم يكن كذلك فان ما جرى عليه التعامل بين الناس في الامور العامة هو بمثابة ما يتعاقد عليه الافراد في الامور الخاصة فالذي يتعلم العلم قد أودع امانة وأخذ عليه العهد بالتعامل والعرف بأن يؤدي هذه الامانة ويفيد الناس ويرشدهم بهذا العلم وقد أخذ الله العهد العام على الناس بهذا التعامل المتعارف بينهم شرعا وعرفا بنص قوله (٣ : ١٨٧ وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) ولذلك عد علماء أهل الكتاب خائنين بكتمان صفات النبي (ص) فيجب على العالم أن يؤدي أمانة العلم الى الناس كما يجب على من أودع المال أن يرده الى صاحبه ، ويتوقف اداء امانة العلم على تعرف الطرق التي توصل الى ذلك فيجب ان تعرف هذه الطرق لاجل السير فيها. واعراض العلماء عن معرفة الطرق التي تتأدى بها هذه الامانة بالفعل هو ابتعاد عن الواجب الذي أمروا به واخفاء الحق باخفاء وسائله هو عين الاضاعة للحق ، فاذا رأينا الجهل بالحق والخير فاشيا بين الناس واستبدلت به الشرور والبدع ورأينا ان العلماء لم يعلموهم ما يجب في ذلك فيمكننا ان نجزم بأن هؤلاء العلماء لم يؤدوا الامانة وهي ما استحفظوا عليه من كتاب الله ولا عدر لهم في ترك استبانة الطريق الموصل الى ذلك بسهولة وقرب ، فهم خونة الناس وليسوا بالامناء.
أقول يعني رحمهالله تعالى انه يجب على العلماء ان يعرفوا الطرق التي تؤدي الى
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٥ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4723_tafsir-alquran-alhakim-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
