يلحون على رسول الله صلىاللهعليهوسلم حتى دخل فلبس لأمته (١) بعد صلاة الجمعة وكان قد أوصاهم فى خطبتها ووعدهم بأن لهم النصر ما صبروا ، ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكر هنا رسول الله صلىاللهعليهوسلم ولم يكن لنا ذلك ، وقالوا له استكر هناك ولم يكن لنا ذلك فان شئت فاقعد فقال «ما كان لنبى إذا لبس لأمته ان يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه» أى لما فسخ العزيمة بعد إحكامها وتوثيقها من الضعف ومبادىء الفشل وسوء الأسوة. وفى سحر يوم السبت خرج بألف من أصحابه واستعمل بالمدينة عبد الله بن أم مكتوم الأعمى على الصلاة بمن بقى فيها.
فلما كانوا بالشوط بين المدينة وأحد انعزل عنه عبد الله بن أبى بن سلول رئيس المنافقين بنحو ثلث العسكر (وهم ٣٠٠) وقال أطاعهم وعصانى ـ وفى رواية أطاع الولدان ومن لا رأى له ـ فما ندرى علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس. فرجع بمن اتبعه من قومه أهل النفاق والريب ، فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بنى سلمة يقول : يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم ، تعالوا قاتلوا فى سبيل الله أو ادفعوا. قالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع ولكن نرى أنه لا يكون قتال. وقد كان المسلمون نحو ثلث المشركين الذين خرجوا اليهم فأمسوا وقد ذهب من الثلث نحو ثلثه ، وهمت بنو سلمة من الأوس وبنو حارثة من الخزوج أن تفشلا فعصمهما الله تعالى.
وقد كان خروج المنافقين منهم خيرا لهم كما قال تعالى فى مثل ذلك يوم تبوك (٩ : ٤٧ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالاً) الآية ، وإنما ارتأى عبد الله بن أبى عدم الخروج ليكتفى أمر القتال أو خطره حرصا على الحياة وإيثارا لها على إعلاء كلمة الله. فكان على موافقته للرسول فى الرأى مخالفا له فى سببا وعلته ، فالرسول صلىاللهعليهوسلم كان يراعى فى جميع حروبه التى كانت كلها دفاعا قاعدة ارتكاب أخف الضررين وأبعد الأمرين عن العدوان رحمة بالناس وإيثارا للسلام. وتعزز رأيه المبنى على هذه السنة برؤيا رآها قبل ذلك ؛ وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. رآى أن فى سيفه ثلمة ورأى أن بقرا تذبح وأنه أدخل يده فى درع حصينة فتأول الثلمة فى
__________________
(١) اللأمة ـ بالهمز ، ويترك : الدرع ، وقيل السلاح.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
