شأن القرآن لا يأمر إلا بالمحبة والخير والاحسان ودفع السيئة بالحسنة إن أمكن كما قال : (٤١ : ٣٤ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فان لم يمكن تحويل العدو إلى محب بدفع سيئاته بما هو أحسن منها فانه يجيز دفع السيئة بمثلها من غير بغى ولا اعتداء ، كما فعل النبى صلىاللهعليهوسلم فى معاملة بنى النضير الذين نزلت الآية فيهم أولا بالذات ، فانه حالفهم ووادهم فنكثوا وخانوا غير مرة أعانوا عليه قريشا يوم بدر وادعوا أنهم نسوا العهد ثم أعانوا الاحزاب الذين تحزبوا لا بادة المسلمين ، ثم حاولوا قتل النبى صلىاللهعليهوسلم فتعذرت موادتهم واستمالتهم بالمحبة وحسن المعاملة ، فكان اللجأ إلى قتالهم وإجلائهم ضربة لازب.
ثم قال (إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) قال الأستاذ الامام ما مثاله المحيط بالعمل هو الواقف على دقائقه فهو إذا دل على طريق النجاة لعامل من كيد الكائدين والوسيلة للخلاص من ضررهم فانما يدل على الطريق الموصل للنجاة حتما ، والوسيلة المؤدية إلى النجاح قطعا ، فالكلام كالتعليل لكون الاستعانة بالصبر والتمسك بالتقوى شرطين للنجاح وهناك وجه آخر وهو أن الخطاب بتعلمون عام للمؤمنين والكافرين جميعا ـ يعني على قراءة الحسن وابى حاتم «تعملون» بالمثناة الفوقية أو على الالتفات ـ ومن كان عالما بعمل فريقين متحادين محيطا باسباب ما يصدر عن كل منهما ومقدماته ، ونتائجه وغاياته ، فهو الذى يعتمد على إرشاده فى معاملة أحدهما للآخر ولا يمكن أن يعرف أحدهما من نفسه فى حاضرها وآتيها ما يعرفه ذلك المحيط بعمله وعمل من يناهضه ويناصبه. فهداية الله تعالى للمؤمنين خير ما يبلغون به المآرب وينتهون به إلى أحسن العواقب.
وأقول : إن الاحاطه إحاطتان إحاطة علم وإحاطة قدرة ومنع وهذا التفسير مبنى على أن الاحاطة هنا إحاطة علم لتعلقها بالعمل وذلك من المجاز الذى ورد فى التنزيل كقوله تعالى (٦٥ : ١٢ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) وقوله (١٠ : ٣٩ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) وأما الاحاطة بالشخص أو بالشىء قدرة فهى تأتى بمعنى منعه مما يراد به وهذا ليس بمراد هنا وبمعنى منعه مما يريده وبمعنى التمكن منه ومنه الاحاطة بالعدو أى أخذه من
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
