غير سبيل الله الذى هو كتابه. فمن تلك السبل المفرقة : إحداث المذاهب والشيع فى الدين كما قال (٦ : ١٥٩ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) ومنها عصبية الجنسية الجاهلية وهى التى نزلت الآية التى نفسرها وما معها فيها لما كان بين الأوس والخزرج ما كان كما تقدم. وورد فى النهى عنها أحاديث كثيرة صحاح وحسان ، كقوله صلىاللهعليهوسلم «أبغض الناس إلى الله ثلاثة : ملحد فى الحرم ، ومبتغ فى الاسلام سنة الجاهلية ، ومطلب دم امرىء مسلم بغير حق ليهريق دمه» رواه البخارى من حديث ابن عباس ، وقوله صلىاللهعليهوسلم «ليس منا من دعا إلى عصبية» رواه ابو داود من حديث جبير بن مطعم.
وقد اعتصم فى هذا العصر أهل أوربا بالعصبية الجنسية كما كانت العرب فى الجاهلية ؛ فسرى سم ذلك إلى كثير من متفرنجة المسلمين ، فحاول بعضهم أن يجعلوا فى المسلمين جنسيات وطنية لتعذر الجنسية النسبية. ويوجد فى مصر من يدعو إلى هذه العصبية الجاهلية (١) مخادعين للناس بأنهم بذلك ينهضون بالوطن ويعلون شأنه ، وليس الأمر كذلك فان حياة الوطن وارتقاءه باتحاد كل المقيمين فيه على إحيائه ، لا فى تفرقهم ووقوع العداوة والبغضاء بينهم لا سيما المتحدين منهم فى اللغة والدين أو أحدهما. فان هذا من مقدمات الخراب والدمار ، لا من وسائل التقدم والعمران ، فالاسلام يأمر باتحاد واتفاق كل قوم تضمهم أرض وتحكمهم الشريعة على الخير والمصلحة فيها ، وإن اختلفت أديانهم وأجناسهم ، ويأمر مع ذلك باتفاق أوسع ، وهو الاعتصام بحبل الله بين جميع الأقوام والأجناس لتتحقق بذلك الاخوة فى الله ، ولذلك قال بعد الأمر بالاعتصام والاجتماع والنهى عن التفرق :
(وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً) يشير إلى ما كان عليه المؤمنون فى عصر التنزيل من أخوة الايمان
__________________
(١) بينا فى المنار فساد هذه الدعوة ومنابذتها للاسلام مرارا كثيرة آخرها ما تقدم فى الجزء السادس ج ٦ م ١٠) فى الرد على فريد افندى وجدى. وفى الجزء السابع بعده فى الكلام على جريدة اللواء وصاحبها.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
