الآية صريحة فى وجوب إمضاء العزيمة المستكملة لشروطها ـ وأهمها فى الأمور العامة حربية كانت أو سياسية أو ادارية المشاورة ـ وذلك أن نقض العزيمة ضعف فى النفس وزلزال فى الاخلاق لا يوثق بمن اعتاده فى قول ولا عمل. فاذا كان ناقض العزيمة رئيس حكومة أو قائد جيش كان ظهور نقض العزيمة منه ناقضا للثقة بحكومته وبجيشه ؛ ولا سيما إذا كان بعد الشروع فى العمل ولذلك لم يصغ النبى صلىاللهعليهوسلم إلى قول الذين أشاروا عليه بالخروج إلى أحد حين أرادوا الرجوع عن رأيهم خشية أن يكونوا قد استكرهوه على الخروج وكان قد لبس لأمته وخرج وذلك شروع فى العمل بعد أن أخذت الشورى حقها كما تقدم تفصيله. فعلمهم بذلك أن لكل عمل وقتا وأن وقت المشاورة متى انتهى جاء دور العمل ، وأن الرئيس إذا شرع فى العمل تنفيذا للشورى لا يجوز أن ينقض عزيمته ويبطل عمله وإن كان يرى أن أهل الشورى أخطأوا الرأى ـ كما كان يرى صلىاللهعليهوسلم فى مسألة الخروج إلى أحد كما تقدم ـ ويمكن إرجاع ذلك إلى قاعدة ارتكاب أخف الضررين ، وأى ضرر أشد من فسخ العزيمة وما فيه من الضعف والفشل وإبطال الثقة؟
وإننا نرى أهل السياسة والحرب يجرون على هذه القاعدة فى هذا العصر. ومن الوقائع التى توجب العبرة فى ذلك ان الاستاذ الامام لما كان فى لندرة عاصمة انكلترا سنة ١٣٠١ ذاكر وزراء الانكليز فى أمور مصر والسودان التماس خدمته لبلاده وقد سأله يومئذ رئيس الوزراء أو غيره منهم الشك منى) عن رأيه فى حملة هكس باشا التى أرسلوها لمحاربة مهدى السودان الذى ظهر فى ذلك الوقت فبين له بعد مراجعه طويلة أن هذه الحملة لا تنجح بل يقضى عليها السودانيون. ثم عاد الاستاذ من أوربا إلى بيروت وبعد عودته جاءت الاخبار بقتل هكس باشا وتنكيل السودانيين بحملته فبعث الاستاذ الامام برسالة برقية إلى الوزير الانكليزى يذكره فيها برأيه وكيف صدق. فجاءه الجواب فى ذلك اليوم من الوزير ومعناه قد علمنا أن ما قلته لنا معقول وجيه ولكن السياسة متى قررت شيئا وشرعت فيه وجب إمضاوه وامتنع نقضه والرجوع عنه وإن كان خطأ.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
