(لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ) أى لا تكونوا يا مشر المؤمنين مثل أولئك الكافرين فى اعتقادهم ولا تقولوا مثل قولهم الناشىء عن ذلك الاعتقاد ليكون ذلك منكم سببا لتحسرهم وغمهم بحسب سنة الله تعالى ؛ فانهم إذا رأوكم أشداء أقوياء لا يضعفكم فقد من فقد منكم ، ولا يقعد بكم عن القتال خوف أن يصيبكم ما اصاب أولئك الذين قتلوا ؛ فانهم يحزنون ويتحسرون ، هذا وجه فى التعليل متعلق بالنهى نفسه وملخص المعنى عليه : لا تكونوا مثلهم لأجل أن يتحسروا بامتيازكم عليهم إذ يضعفون بفقد من يفقد منهم وأنتم لا تضعفون. وفيه وجه آخر متعلق بقول الذين كفروا باعتبار الاعتقاد الفاسد الذى نشأ عنه ، والمعنى : لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا فيمن ماتوا أو قتلوا ما قالوا ، ليكون أثر ذلك القول مع الاعتقاد وعاقبته حسرة فى قلوبهم على من فقد من إخوانهم ، يزيدهم ضعفا ويورثهم ندما على تمكينهم إياهم من التعرض لما ظنوه سببا ضروريا للموت ، فانكم إذا كنتم مثلهم فى ذلك يصيبكم من الحسرة مثل ما يصيبهم ، وتضعفون عن القتال كما يضعفون ، فلا يكون لكم امتياز عليهم بالبصيرة النيرة التى يرى صاحبها أن الذى وقع هو ما لا بد منه فلا يتحسر عليه ، ولا بالايمان الذى لا يزيد ذلك صاحبه إلا إيمانا وتسليما.
(وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ) أى والحقيقة أن الله تعالى يحيى من يشاء بمقتضى سننه فى بقاء أسباب الحياة وإن طوى بالاسفار بساط كل بر ، ونشر شراع كل بحر ، وخاض معامع الحروب ، وصارع الأهوال والخطوب ، ويميت من يشاء بمقتضى سننه فى أسباب الموت وإن اعتصم فى الحصون المشيدة ؛ وحرس بالجنود المجندة ، (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فلا يخفى عليه ما تكنون فى أنفسكم من الاعتقاد ، وما يؤثر فى قلوبكم من الأقوال والأحوال ؛ فاحرصوا على أن يكون ترككم لاقوال الكفار ناشئا عن طهارة نفوسكم من وساوسهم.
وقال الأستاذ الامام : أى إن الحياة والمات بيد الله تعالى وهو ممد الموجودات كلها بما يحفظ وجودها والعالمين بحياتهم وموتهم فلا يليق بالعاقل أن يقول لمن أماته لو
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
