الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا) ومنه الدين المؤجل الذى ضرب له أجل أى مدة يؤدى فى نهايتها وقد يتوهم بعض أصحاب العقول المقيدة ، والافهام الضيقة ، أن كون الموت مؤجلا بأجل محدود فى علم الله ، ينافى كونه بأسباب تجرى على سنن الله ؛ وليس لهذا التوهم أدنى شبهة من العقل فيرد بالدلائل النظرية ؛ ولا من الوجود فيفسر بالسنن الاجتماعية ؛ إلا أن كون الموت لا يكون إلا بالاجل ؛ أظهر من كونه لا يكون إلا مقرونا بالسبب فان الناس يتعرضون لأسباب المنايا بخوض غمرات الحروب والتعرض لعدوى الأمراض ؛ والتصدى لأفاعيل الطبيعة ؛ ثم قد يسلم فى الحرب الشجاع المقدم ؛ ويقتل الجبان المتخلف. ويفتك المرض بالشاب القوى ، من حيث تعدو عدواه الغلام القمىء ، وتغتال فواعل الحر والبرد الكهل المستوى ؛ وتتجاوز عن الشيخ الضعيف ؛ ولكل عمر أجل ولكل أجل قدر ؛ والأقدار هى السنن التى بها يقوم النظام ، والحكم فيها مرتبطة بالأحكام ، وإن خفى بعضها على بعض الافهام.
هذه هى القاعدة الأولى فى الآية. وأما الثانية فهى قوله تعالى (وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها) وإننا نذكر فى تفسير العبارة صفوة ما قالوه ثم نبين القاعدة. قالوا : إنها تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد فتركوا موقعهم الذى أمرهم النبى صلىاللهعليهوسلم بلزومه. وإن معناها أن من قصد بعمله حظ الدنيا أعطاه الله شيئا من ثوابها ومن قصد الآخرة أعطاه الله حظا من ثوابها. وصرح الرازى بأنها فى معنى حديث «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء نوى» الخ الحديث المشهور.
وقال الأستاذ الامام : هذه قضية أخرى وفيها وجهان أحدهما) أنها رد لاستدلال من استدل بما حل بالمسلمين على أن ما هم عليه غير الحق فهى من هذا الوجه فرع من فروع قوله (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) فهو يقول إن لنيل ثواب الدنيا سننا ولنيل ثواب الآخرة سننا ، فمن سار على سنن واحدة منهما وصل إليها. فاذا كان المشركون قد استظهروا على المسلمين فى هذه المرة فلأنهم طلبوا لعملهم الدنيا وأخذوا له أهبته من حيث قد قصر المسلمون فى اتباع السنن فى ذلك بمخالفة الرسول كما تقدم والوجه الثانى) أنه يقول لأولئك الذين ضعفوا وفشلوا
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
