يبتلى به المؤمن من مدافعة الباطل ونصرة الحق. وقال : ان لله فى كل نعمة عليك حقا وللناس عليك حقا ، وأداء هذه الحقوق يشق على النفس فلا بد من جهادها ليسهل عليها أداؤها ، وربما يفضل بعض جهاد النفس جهاد الاعداء فى الحرب فان الانسان اذا أراد أن يبث فكرة صالحة فى الناس أو يدعوهم إلى خيرهم من إقامة سنة أو مقاومة بدعة أو النهوض بمصلحة فانه يجد أمامه من الناس من يقاومه ويؤذيه إيذاء قلما يصبر عليه أحد. وناهيك بالتصدى لاصلاح عقائد العامة وعاداتهم وما الخاصة فى ضلالهم الا أصعب مراسا من العامة.
ومن مباحث اللفظ فى الآية ما تقدم بيانه من معنى أم ولما. ومنها أن قوله «ويعلم» منصوب باضمار «أن» على أن الواو للجمع ؛ كقولهم : لا تأكل السمك وتشرب اللبن. أى لا يكن أكل السمك وشرب اللبن معا. فالتقدير فى الآية على هذا : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة والحال أنه لم يتحقق منكم الجمع بين الجهاد والصبر.
بعد ما بين تعالى للمؤمنين أن الفوز والظفر فى الدنيا ودخول الجنة فى الآخرة لا يكونان بالأمانى والغرور ؛ ولا ينالان بالمحاباة والكيل الجزاف ، بل بالجهاد ومكافحة الأيام ، ومصابرة الشدائد والأهوال ، واتباع سنن الله فى هذا العالم ـ وبعد ما بين لهم أن دعوى الايمان ودعوى الجهاد والصبر لا يترتب عليهما الجزاء بالنصر ودخول الجته وإنما يترتب ذلك على تحققهما بحسب علم الله المطابق للواقع لا بحسب ظن الناس وشعورهم ـ بعد هذا وذاك أرشدهم إلى أمر واقع يظهر لهم به تأويل قوله تعالى (وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا) وقوله (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ) الخ وطريق الجمع بينه وبين شعورهم واعتقادهم ذلك أنهم لم يقصروا فى الجهاد والصبر فيتعلمون كيف يحاسبون أنفسهم ولا يغترون بشعورهم وخواطرهم فقال :
(وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) الخطاب لجماعة المسلمين الذين شهدوا وقعة أحد. وقد ذكرنا فى تلخيص القصة أن النبى صلىاللهعليهوسلم كان يرى أن لا يخرج للمشركين بل يستعد لمدافعتهم فى المدينة وكان على هذا الرأى جماعة من كبراء الصحابة وبه صرح عبد الله بن أبى بن سلول زعيم المنافقين وأن أكثر الصحابة أشاروا بالخروج الى أحد حيث عسكر المشركون
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
