انتم سلكتم سبيل الصالحين فعاقبتكم كعاقبتهم ، وإن سلكتم سبل المكذبين فعاقبتكم كعاقبتهم. وفى هذا تذكير لمن خالف أمر النبى صلىاللهعليهوسلم فى أحد ، ففى الآية مجارى أمن ومجارى خوف ، فهو على بشارته لهم فيها بالنصر وهلاك عدوهم ينذرهم عاقبة الميل عن سننه ، ويبين لهم أنهم إذا ساروا فى طريق الضالين من قبلهم فانهم ينتهون إلى مثل ما انتهوا إليه. فالآيه خبر وتشريع ، وفى طيها وعد ووعيد.
وأقول : السنن جمع سنة وهى الطريقة المعبدة والسيرة المتبعة أو المثال المتبع قيل إنها من قولهم سن الماء اذا والى صبه فشبهت العرب الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب فانه لتوالى اجزائه على نهج واحد يكون كالشىء الواحد. ومعنى خلت : مضت وسلفت. أى إن أمر البشر فى اجتماعهم وما يعرض فيه من مصارعة الحق للباطل وما يتبع ذلك من الحرب والنزال والملك والسيادة وغير ذلك قد جرى على طرق قويمة وقواعد ثابتة اقتضاها النظام العام وليس الأمر أنفا كما يزعم القدرية ، ولا تحكما واستبدادا كما يتوهم الحشوية.
جاء ذكر السنن الالهية فى مواضع من الكتاب العزيز ، كقوله فى سياق أحكام القتال وما كان فى وقعة بدر (٨ : ٣٨ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) وقوله فى سياق أحوال الأمم مع انبيائهم (١٥ : ١٣ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) وقوله فى سياق دعوة الاسلام (١٨ : ٥٥ وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً) وقوله فى مثل هذا السياق (٣٥ : ٤٣ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ؟ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً) وصرح فى سور أخرى كما صرح هنا بأن سننه لا تتبدل ولا تتحول كسورة بنى اسرائيل وسورة الأحزاب وسورة الفتح.
هذا ارشاد الهى ، لم يعهد فى كتاب سماوى ، ولعله أرجىء إلى أن يبلغ الانسان كمال استعداده الاجتماعى ، فلم يرد الا فى القرآن ، الذى ختم الله به الاديان.
كان المليون من جميع الاجيال يعتقدون أن أفعال الله تعالى فى خلقه تشبه أفعال الحاكم المستبد فى حكومته ؛ المطلق فى سلطته ؛ فهو يحابى بعض الناس فيتجاوز لهم عما يعاقب لاجله غيرهم ، ويثيبهم على العمل الذى لا يقبله من سواهم ، لمجرد
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٤ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4720_tafsir-alquran-alhakim-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
