فى بعضها ما أشكل عليهم ظاهره من القرآن فيضعون له رواية يفسرونه بها وقلما يصح فى التفسير شىء كما قال الامام أحمد.
أما ما قاله ابن عطية فهو ظاهر فى نفسه فان أولئك الذين فتنهم المال واستعبدهم حتى ضريت نفوسهم بجمعه وجعلوه مقصودا لذاته وتركوا لأجل الكسب به جميع موارد الكسب الطبيعى تخرج نفوسهم عن الاعتدال الذى عليه أكثر الناس ويظهر ذلك فى حركاتهم وتقلبهم فى أعمالهم ، كما تراه فى حركات المولعين بأعمال البورصة والمغرمين بالقمار يزيد فيهم النشاط والانهماك فى أعمالهم حتى يكون خفة تعقبها حركات غير منتظمة وهذا هو وجه الشبه بين حركاتهم وبين تخبط الممسوس فان التخبط من الخبط وهو ضرب غير منتظم ، وكخبط العشواء. وبهذا يمكن الجمع بين ما قاله ابن عطية وما قاله الجمهور. ذلك بأنه إذا كان ما شنع به على المرابين من خروج حركاتهم عن النظام المألوف هو أثر اضطراب نفوسهم وتغير أخلاقهم كان لا بد أن يبعثوا عليه. فان المرء يبعث على ما مات عليه لأنه يموت على ما عاش عليه وهناك تظهر صفات النفس الخسيسة فى أقبح مظاهرها ، كما تتجلى صفات النفس الزكية فى أبهى مجاليها.
ثم إن التشبيه مبنى على أن المصروع الذى يعبر عنه بالممسوس يتخبطه الشيطان أى إنه يصرع بمس الشيطان له ، وهو ما كان معروفا عند العرب وجاريا فى كلامهم مجرى المثل. قال البيضاوى فى التشبيه «وهو وارد على ما يزعمون أن الشيطان يخبط الانسان فيصرع والخبط ضرب على غير اتساق كخبط العشواء» ا ه وتبعه أبو السعود كعادته فذكر عبارته بنصها. فالآية على هذا لا تثبت أن الصرع المعروف يحصل بفعل الشيطان حقيقة ولا تنفى ذلك. وفى المسألة خلاف بين العلماء أنكر المعتزلة وبعض أهل السنة أن يكون للشيطان فى الانسان غير ما يعبر عنه بالوسوسة. وقال بعضهم أن سبب الصرع مس الشيطان كما هو ظاهر التشبيه ، وإن لم يكن نصا فيه ـ وقد ثبت عند أطباء هذا العصر أن الصرع من الأمراض العصبية التى تعالج كأمثالها بالعقاقير وغيرها من طرق العلاج الحديثة. وقد يعالج بعضها بالأوهام وهذا ليس برهانا قطعيا على أن هذه المخلوقات الخفية التى يعبر عنها بالجن يستحيل أن يكون لها نوع اتصال بالناس المستعدين للصرع. فتكون من أسبابه فى بعض الاحوال
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)