غير تقدير ولا تأويل ، فان العربى الصريح ، الذى طبع على القول الفصيح ، لا يفهم من قولك عندى من كل شىء ، أولى فى بستانى من كل ثمر الا انك تريد ان لك حظا من كل شىء وسهما من كل ثمر لا يحتاج فى ذلك الى تقدير قول محذوف ، ونظم غير مألوف ، وهذا هو الصواب ، فطبق عليه ولا تطبقه على قواعد الاعراب.
أما وجه التمثيل فقد خصوه بالمرائى وقالوا ان المعنى أنه سيكون فى يوم القيامة عند شدة الحاجة الى ثواب نفقته التى راءى بها كذلك الشيخ الكبير الذى احترقت جنته التى لا معاش له سواها عند ما كثر عياله الضعفاء وعجز عن العمل فلا يملك من ثوابها شيئا ولا يقدر ان يكسب ما يغنيه عنه. وأقول ان المثل ينطبق أيضا على من أبطل صدقته بالمن والأذى وانه ليس خاصا بالآخرة فان باذل المال للفقراء وفى المصالح العامة يكون له من الجاه والمكانة عند الناس ما يشبه تلك الجنة التى وصفها المثل فى رونقها ومنافعها ، ويوشك ان يذهب مال هذا المنفق وتشتد حاجته وتقصر يده حتى لا يكون له مرتزق إلا ما غرسته يده من جنته تلك فيحاول أن يجنى منها فيحول دون ذلك اعصار من المن والأذى أو من ظهور الرياء فيحرقها حتى تكون كالصريم لا تؤتى ثمرتها ، ولا تسر رؤيتها ، كذلك تكون عاقبة أهل الرياء وذوى المن والايذاء ، ينبذهم الناس ، عند شد حاجتهم الى الناس ، ولذلك أرشدنا تعالى بعد المثل ، الى التفكر فى عاقبة هذا العمل ، فقال (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ) أى إنه تعالى يبين لكم الآيات الدالة على حقائق الأمور وغاياتها وفوائدها وغوائلها مثل هذا البيان البارز فى أبهى معارض التمثيل (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) فى العواقب فتضعون نفقاتكم فى المواضع التى يرضاها مع الاخلاص وقصد تثبيت النفس حتى لا يستخفها الطيش والاعجاب ، فيدفعها الى المن والأذى. ثم قال تعالى
((٢٦٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ، وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)