طلوع الشمس وائت بها من الجهة المقابلة للجهة التى جرت سنته تعالى بظهورها منها (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) أى أدركته الحيرة وأخذه الحصر من نصوع الحجة وسطوعها فلم يحر جوابا (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) قال الأستاذ الامام هذا ترشيح للكلام والمراد بالظلم فى هذا المقام الاعراض عن النور الالهى وهو نور العقل الذى يسير به المرء فى طريق الدين فمن ظلم نفسه باطفاء هذا المصباح فسار يتخبط فى الظلمات فانه لا يهتدى فى سيره إلى الصراط المستقيم الموصل الى السعادة بل يضل عنه حتى يهلك دون الغاية. أقول : يريد بمطفىء المصباح من لم يجعل الحكم فى أمر الدين لنظر العقل الصحيح البرىء من الهوى ونزعات التقليد بل يحكم الطاغوت الذى استسلم له كتقليده للذين وثق بهم تار كاما أعطاه الله من الاستعداد للفهم اكتفاء برأيهم أو اتباعا لهواه وشهواته التى تزين له ما هو فيه وتوهمه أن النظر فى الدليل قد يقنعه بترك ما هو متمتع به فيفوته فخير له أن يعرض عن النظر والفكر ويسترسل فيما هو فيه.
من فهم الآية على الوجه الذى قررناه يعلم أن لا محل للشبهة التى يوردها بعض الناس على حجة ابراهيم عليهالسلام وهى أنه كان لنمروذ أن يقول له اذا كان ربك هو الذى يأتى بالشمس من المشرق وهو قادر على ما طالبتنى به من الاتيان بها من المغرب فليأت بها يوما ما. قال بعض المقلدين ولا يمكن أن يسأل ابراهيم ربه ذلك لأن فيه خزاب العالم وقال بعض المرتا بين انه لو قال له نمروذ ذلك لألزمه. وقد فهم نمروذ على طغيانه وغروره من الحجة ما لا يفهم هؤلاء القائلون ، فهم أن مراد ابراهيم أن هذا النظام فى سير الشمس لا بد له من فاعل حكيم اذ لا يكون مثله بالمصادفة والاتفاق وإن ربى الذى أعبده هو ذلك الفاعل الحكيم الذى قضت حكمته بأن تكون الشمس على ما نرى. ومن فهم هذا لا يمكن أن يقول اطلب من هذا الحكيم ان يرجع عن حكمته ويبطل سنته. كذلك لا محل لقول بعضهم لم سكت ابراهيم عن كشف شبهته الأولى اذ زعم أن ترك القتل احياء فقد علمت أن مسألة الشمس قد كشفت ذلك انكشافا لا يخفى إلا على من تخفى عليه الشمس.
((٢٥٩) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها؟ فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)