مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) فجعل كلامه لرسله ثلاثة أنواع. والظاهر أن تكليم موسى كان من النوع الثانى فى الآية وكلها تسمى وحى الله وكلام الله. وقال بعضهم : إن هذا النوع من التكليم كان لنبينا عليه الصلاة والسّلام فى تجلى ليلة المعراج فهو المراد بمن كلم الله هنا ، والجمهور على القول الأول ، وإن كان لفظ (مِنْ) يتناول أكثر من واحد.
أقول : وقد خاض علماء العقائد فى مسألة الكلام الآلهى والتكليم وتبعهم المفسرون فقال بعضهم كالمعتزلة ان التكليم فعل من أفعال الله تعالى كالتعليم والكلام ما يكون به. وقال الجمهور ان كلام الله تعالى صفة من صفاته تتعلق بجميع ما فى علمه وتكليمه الرسل عبارة عن إعلامهم بما شاء من علمه. وما به الاعلام هو كلام الله وهو كما قال الاستاذ الامام فى رسالة التوحيد : شأن من شؤونه قديم بقدمه : أى إنه تعالى متصف فى الأزل بالكلام أى بالصفة التى يكون بها التكليم متى شاء كما أنه متصف فى الأزل بالقدرة التى بها يكون الخلق والتقدير متى شاء. هذا أوضح ما يبين به مذهب أهل السنة والجماعة فى كلام الله تعالى النفسى. وهو أن له صفة ذاتية بها يعلم من يشاء من عباده بما شاء من علمه متى شاء وهذا الاعلام هو التكليم والوحى. ولا يجوز لنا البحث عن كيفية كلامه القديم. ولا عن كيفية تكليمه رسله وإيحائه اليهم. قال الاستاذ الامام فى الدروس : إن هذا الكلام مما لا يمكن أن يعرفه إلا النبى المكلم. فلا ينبغى لنا أن نبحث فيه ونحاول الوقوف على كنهه حتى إن النبى المكلم نفسه لا يستطيع أن يفهمه لغيره. لأنه ليس له عبارة تدل عليه : يعنى ان ما كان للرسل عليهمالسلام من تكليم الله وما خصهم به من وحيه هو من قبيل الوجدان والشعور النفسى ، كالشعور بالسرور واللذة والألم فلا يمكن التعبير عن حقيقته. وليس هو من قبيل التصورات والخواطر. ولا نزيد على هذا البيان فى هذا الكلام ، فانه من مزال الاقدام والاقلام ، فنحن نؤمن بكلام الله تعالى ووحيه ، مع تنزيهه فى ذاته وصفاته عن مشابهة خلقه ، فان وقع فى كلامنا ما يوهم خلاف هذه العقيدة السلفية فهو من عثرات القلم الضعيف فى البيان ، لا من شذوذ عن صراط الله المستقيم فى الايمان.
وأما قوله تعالى (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ) فذهب جماهير المفسرين إلى أن
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)