والشفاعة خاص بمن لا يسمى نفسه مسلما. وأما من قبل هذا الاسم فان الآية لا تتناولهم. وإن كان الخطاب فيها للذين آمنوا. وستعلم أن لفظ الكافرين لا يراد به هنا منكر والالوهية والنبوة أو رافضو لقب الاسلام ، لأن هذا اصطلاح لم يلتزمه القرآن.
سبق القول فى الشفاعة والجزاء والفداء فى تفسير آية (٤٨ وَاتَّقُوا يَوْماً) التى استشهدنا بها آنفا فلا نعيده. ولكن بدا لى أن اكتب جملة وجيزة فى مسألة قياس عالم الغيب على عالم الشهادة فى التماس السعادة بالاسعاد والشفاعة ، فأقول : تقدم أن القياس باطل على تقدير صدق ظنهم فى سعادة الدنيا. لأن الشفاعة المعروفة عند الملوك والحكام ـ وهى أكبر الشبهات فى هذا المقام ـ مما يستحيل على الله عزوجل لأن الشفيع هنا يحدث فى ذهن المشفوع عنده من الرأى والعلم بالمصلحة وفى قلبه من الميل والأثر ما لم يكن فيهما ، فيعفو ويصفح أو يهب ويمنح إما بهذه العاطفة وإما بتلك المعرفة. لأن عمل الانسان فى الدنيا يصدر عن أحد هذين المصدرين فى النفس أو عن كليهما. وأما أفعال الله تعالى فهى تابعة لعلمه وحكمته وسائر صفاته القديمة التى يستحيل أن يطرأ عليها تغيير ما. وهذه هى الشفاعة التى يتعلق بها السفهاء المغرورون وقد نفاها الله تعالى فى هذه الآية وغيرها من الآيات وبين فيها وفى آيات أخرى كثيرة جدا أن سعادة الآخرة إنما تنال بالاعمال الصالحة مع الايمان الصحيح المؤثر فى الوجدان ، المصرف للارادة فى الاعمال.
وإنما الذى أريد أن أقوله : هنا هو أن السعادة الدنيوية الحقيقية التى يعرفها الشرع ويؤيده الاختبار والعقل ، هى فى الانفس لا فى الآفاق. أعنى أنها لا تنال باسعاد الاخلاء ، ولا بشفاعة الشفعاء ، إنما العمدة فيها على اعتدال النفس فى أخلاقها وأعمالها ، وصحة عقائدها ومعارفها ، ويتبع هذا فى الغالب صحة الجسم ، وسهولة طرق الرزق ، والسلامة من الخرافات والاوهام ، التى تفتك بالعقول والاجسام ، ويظهر صدق هذا القول ظهورا بينا تقل فيه الشبهات فى البلاد التى تساس بالعدل ويكون الحكام فيها مقيدين بأحكام الشريعة التى تكفلها الامة. وإنما تعرض الشبهات على صدقه فى البلاد التى يحكم فيها السلاطين بارادتهم وأهوائهم
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)