(بحث المحكم والمتشابه)
أقول : المحكمات من أحكم الشىء بمعنى : وثقه وأتقنه. والمعنى العام لهذه المادة المنع. فان كل محكم يمنع باحكامه تطرق الخلل الى نفسه أو غيره ومنه الحكم والحكمة وحكمة الفرس ، قيل وهى أصل المادة. و «المتشابه» يطلق فى اللغة على ماله أفراد أو أجزاء يشبه بعضها بعضا وعلى ما يشتبه من الأمر أى يلتبس قال فى الأساس «وتشابه الشيئان واشتبها ، وشبهته به وشبهته إياه واشتبهت الأمور وتشابهت : التبست لأشباه بعضها بعضا ، وفى القرآن المحكم والمتشابه ، وشبه عليه الأمر لبس عليه ، وإياك والمشبهات الأمور المشكلات» وقد وصف القرآن بالاحكام على الاطلاق فى أول سورة هود بقوله (١١ : ١ كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ) وهو من إحكام النظم وإتقانه أو من الحكمة التى اشتملت آياته عليها. ووصف كله بالمتشابه فى سورة الزمر (٣٩ : ٢٢ اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً) أى يشبه بعضه بعضا فى هدايته وبلاغته وسلامته من التناقض والتفاوت والاختلاف (٤ : ٨١ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) أما قوله تعالى فى سورة البقرة (٢ : ٢٥ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً) فمفهومه أن ما جيئوا به من الثمرات أخيرا يشبه ما رزقوه من قبل وأنهم اشتبهوا به لهذا التشابه. وقالوا إن الأصل فى ورود التشابه بمعنى المشكل الملتبس أن يكون الالتباس فيه بسبب شبهه لغيره ثم أطلق على كل ملتبس مجازا وإن كان ظاهر الأساس أن المعنيين حقيقتان فيه. ولا شك أن القرآن يصح أن يوصف كله بالمحكم وبالمتشابه من حيث هو متقن ويشبه بعضه بعضا فيما ذكر والتقسيم فى هذه الآية مبنى على استعمال كل من المحكم والمتشابه فى معنى خاص ولذلك اختلف فيه المفسرون على أقوال :
(أحدها) أن المحكمات هى قوله تعالى فى سورة الأنعام (٦ : ١٥٢ قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) إلى آخر الآية والآيتين اللتين بعدها. والمتشابهات هى التى تشابهت على اليهود وهى أسماء حروف الهجاء المذكورة فى أوائل السور وذلك أنهم أولوها على حساب الجمل فطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة فاختلط الأمر عليهم واشتبه. وهذا القول مروى عن
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
