اتخذوا من دونك أولياء ، وجهلوا سننك فى أنفسهم وفى سائر الأشياء ، فأعرضوا عما مددت لهم من الأسباب ، وجعلوا الملائكة والنبيين ومن دونهم من الأرباب ، والذين حجبتهم سننك الكونية ، عن الايمان بالألوهية والربوبية ، انصرنا على الجاحدين والمرتابين منهم بالحجة والبرهان ، وعلى المعتدين بالسيف والسنان ، وغير ذلك من أسباب حماية الحق التى تختلف باختلاف الزمان.
استحسن الأستاذ الامام تفسير الجلال «النصر» بالغلبة بالحجة وبالسيف وقال إن النصر بالحجة هو أعلى النصر وأفضله لأنه نصر على الروح والعقل والنصر بالسيف إنما هو نصر على الجسد ولا نأثر عنه فى تفسير هذه الجمل الأخيرة من الآية شيئا إلا هذه العبارة ، ولكنه قال فى شأن هذا الدعاء كله ما مثاله : إن الله تعالى ما علمنا هذا الدعاء لأجل أن نلوكه بألسنتنا ونحرك به شفاهنا فقط كما يفعل أهل الأوراد والأحزاب بل علمنا إياه لأجل أن ندعوه به مخلصين له لاجئين إليه بعد أخذ ما أنزله بقوة والعمل به على قدر الطاقة واستعمال ما يصل اليه كسبنا من الوسائل والذرائع التى هى وسائل الاستجابة فى الحقيقة فمن دعاه بلسان مقاله ولسان حاله معا فانه يستجيب له بلا شك ، ومن لم يعرف من الدعاء إلا حركة اللسان مع مخالفة الأحكام وتنكب السنن فهو بدعائه كالساخر من ربه الذى لا يستحق إلا مقته وخذلانه. فاذا كان سبحانه قد بين لنا سبب المغفرة والعفو ، وهدانا إلى طرق الغلبة والنصر ، فأعرضنا عن هدايته ، وتنكبنا سننه فى خليقته ، ثم طلبنا منه ذلك بألسنتنا دون قلوبنا وجوارحنا ، أفلا نكون نحن الجانين على أنفسنا؟ وتوقف الدعاء على العمل يستلزم توقفه على العلم ، فلا يكون الداعى داعيا حقيقة كما يحب الله ويرضى إلا إذا كان قد عرف ما يجب عليه من الشريعة وسنن الاجتماع واتبعه بقدر استطاعته. فاذا اتخذت الأمة الوسائل التى أمرت بها ودعت الله تعالى أن يثبتها ويتم لها ما ليس فى وسعها من أسباب النصر فان الله تعالى يستجيب لها حتما كما ورد فى الحديث أن هذه الأمة لا تغلب من قلة فنسأله تعالى التوفيق وهداية أقوم طريق. (تم تفسير السورة)
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
