من الله وموحى اليه ، وكانوا من قبل متفقين على أنه ادعى الوحى لأنه رآه أقرب الطرق لنشر حكمته والاقناع بفلسفته أو لنيل السلطة وهو غير معتقد به (كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) وقرأ حمزة (وكتابه) أى كل منهم آمن بوجود الله ووحدانيته وتنزيهه وكمال صفاته وحكمته وسننه فى خلقه ، وبوجود الملائكة الذين هم السفراء بين الله وبين الرسل من البشر ينزلون بالوحى على قلوب الأنبياء. قال المفسرون ليس المراد بالايمان بالملائكة الايمان بذواتهم بل الايمان بسفارتهم فى الوحى ، كما يفهم من النظم والترتيب ، ولذلك عطف عليهم الايمان بحقية كتبه وصدق رسله. لكن ما يفيده الترتيب والنظم من إرادة الايمان بالملائكة من حيث هم حملة الوحى إلى الرسل لا ينافى ملاحظة الايمان بهم من حيث هم من عالم الغيب بل يستلزمه. وأما البحث عن ذواتهم ما هى وعن صفاتهم وأعمالهم كيف هى؟ فهو مما لم يأذن به الله فى دينه. والمراد بالايمان بالكتب والرسل جنسها أى يؤمنون بذلك إيمانا إجماليا فيما أجمله القرآن وتفصيليا فيما فصله لا يزيدون على ذلك شيئا ويقولون (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) قرأ يعقوب وأبو عمرو فى رواية عنه «لا يفرق» وهو يعود على لفظ كل. وذكر المقول مع حذف القول كثير فى الكلام البليغ وله مواضع فى الكتاب لا يقف الفهم فى شىء منها. قال الأستاذ الامام والمعنى أن من شأن المؤمنين أن يقولوا هذا معتقدين أنهم فى الرسالة والتشريع سواء ، كثر قوم الرسول منهم أم قلوا وكثرت الأحكام المنزلة عليه أم قلت ، وتقدمت البعثة أم تأخرت. وهذا لا ينافى قوله تعالى (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) فان التفضيل ليس فى أصل الرسالة والوحى كما تقدم فى تفسير الآية. أقول : وفى هذا مزية للمؤمنين من هذه الأمة على غيرهم من أهل الكتاب الذين يفرقون بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض كأنهم لم يعقلوا معنى الرسالة فى نفسها إذ لو عقلوها لما فرقوا بين من أوتوها. وقد رأيت غير واحد من أذكياء النصارى يدرك هذه المزية.
آمنوا بما ذكر قائلين بعدم التفريق (وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا) أى بلغنا فسمعنا القول سماع وعى وفهم ، وأطعنا ما أمرنا به فيه إطاعة إذعان وانقياد. قال الأستاذ الامام فى الدرس وقد بينا لكم مرارا أن فرقا بين إيمان الاذعان وبين ما يسميه
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
