تعين المعنى بالنص القطعى والمراد بالدين المال الذى يكون فى الذمة لا المصدر. وقد حمل المداينة بعضهم على السلف (السلم) وروى عن ابن عباس فقد أخرج البخارى وغيره عنه أنه قال أشهد أن السلف المضمون الى أجل مسمى أن الله قد أحله وقرأ هذه الآية : وبعضهم على القرض وضعفه الرازى بأن القرض لا يمكن أن يشترط فيه الأجل وما فى الآية قد اشترط فيه الأجل. وقوله هذا هو الضعيف وقال الجمهور إن الدين عام يشمل القرض والسلم وبيع الاعيان إلى أجل وهو الصواب. والأجل الوقت المضروب لانتهاء شىء والمسمى المعين بالتسمية كشهر وسنة مثلا. بعد أن أمر بالكتابة إجمالا بين كيفيتها ومن يتولاها فقال :
٢ ـ (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ) أى ليكن فيكم كاتب للديون عادل فى كتابته يساوى بين المتعاملين لا يميل إلى أحدهما فيجعل له من الحق ما ليس له ولا يميل عن الآخر فيبخسه من حقه شيئا. وقال الأستاذ الامام إن قوله تعالى (فَاكْتُبُوهُ) أمر عام للمتعاملين وفيهم الأمى الذى لا يكتب ولذلك احتيج إلى هذه الجملة : وقد ذكروا أن العدل فى الكاتب يستلزم العلم بشروط المعاملات التى تحفظ الحقوق لأن الكاتب الجاهل قد يترك بعض الشروط أو يزيد فيها أو يبهم فى الكتابة بجهله فيلتبس بذلك الحق بالباطل ويضيع حق أحد المتعاملين كما يضيع بتعمد الترك أو الزيادة أو الابهام إذا لم يكن عادلا وافقهم الاستاذ الامام على ذلك. أقول : وقد يغنى عن أخذ ذلك بطريق اللزوم قوله :
٣ ـ (وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ) فان تعليم الله إياه ليس خاصا بصناعة الكتابة ، بل هو يعم ما وفقه له من علم الاحكام والفقه فيها. فالكتابة لا تكون ضمانا تاما إلا إذا كان الكاتب عالما بما يجب علمه فى ذلك من الأحكام الشرعية والشروط المرعية والاصطلاحات العرفية ، وكان عادلا مستقيما لا غرض له إلا بيان الحق كما هو من غير محاباة ولا مراعاة. وإنما قدم صفة العدالة على صفة العلم بذلك لأن من كان عدلا يسهل عليه أن يتعلم ما ينبغى لكتابة الوثائق لأن العدالة تهديه الى ذلك ومن كان عالما غير عدل فان العلم بذلك لا يهديه الى العدالة. قلما يقع فساد من عدل ناقص العلم ، وإنما أكثر الفساد من العلماء الفاقدين لملكة العدالة.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
