فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ، وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ ، وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ. فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ. وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ، وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ، وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)
ذكر الأستاذ الامام رحمهالله تعالى فى وجوه الاتصال بين هاتين الآيتين وما قبلهما صفوة ما قال المفسرون موضحا ونذكر صفوة ما قاله كذلك : الكلام فى الأموال بدأ بالترغيب فى الصدقات والانفاق فى سبيل الله وذلك محض الرحمة وثنى بالنهى عن الربا الذى هو محض القساوة ثم جاء بأحكام الدين والتجارة والرهن : أقول وهى محض العداله فقد أمرنا الله ببذل المال حيث ينبغى البذل وهو الصدقة والانفاق فى سبيله ، وبتركه حيث ينبغى الترك وهو الربا ، وبتأخيره حيث ينبغى التأخير وهو إنظار المعسر وبحفظه حيث ينبغى الحفظ وهو كتابة الدين والاشهاد عليه وعلى غيره من المعاوضات وأخذ الرهن إذا لم يتيسر الاستيثاق بالكتابة والاشهاد. ذلك بأن من يضيع ماله باهمال المحافظة عليه لا يكون محمودا عند الناس ولا مأجورا عند الله ، كما قال الحسن عليه الرضوان فى المغبون بالبيع.
قال الاستاذ الامام : ولما كانت سلطة صاحب الربا قد زالت بتحريمه ولم يبق له إلا رأس المال وقد أمر بانظار المعسر فيه ، وكان لا بد لحفظه من كتابته إذ ربما يخشى ضياعه بالانظار الى الأجل ـ جاء بعد أحكام الربا بأحكام الدين ونحوه وبقول بعض المعسرين : وله الحق ، إنه تقدم فى الآيات طلب الانفاق والتصدق ثم حكم الربا الذى يناقض الصدقة ثم جاء هنا بما يحفظ المال الحلال لأن الذى يؤمر بالانفاق والصدقة ، ويترك الربا لا بد له من كسب ينمى ماله ويحفظه من الضياع ليتسنى له القيام بالانفاق فى سبيل الله ولا يضطر بالفاقة الى الوقوع فيما حرم الله. وهذا يدل على أن المال ليس مذموما لذاته فى دين الله ولا مبغضا عنده تعالى على الاطلاق كيف وقد شرع لنا الكسب الحلال وهدانا الى حفظ المال وعدم تضييعه والى اختيار الطرق النافعة فى إنفاقه بأن نستعمل عقولنا فى تعرفها ونوجه إرادتنا الى العمل بخير ما نعرفه منها. ففى آية الدين بعد ما تقدم احتراس أو استدراك مزيل
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٣ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4719_tafsir-alquran-alhakim-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
