لا يرجى لهم أن يسلموا منه لأن الكفر الذي استحقوه به هو غاية ما يكتسبه المرء من ظلمات الروح والجناية على الحق ، وتدسية النفس ، فمتى مات انقطع عمله وبطل كسبه ، فتعذر عليه أن يجلي تلك الغمة ، وينيرها تيك الظلمة ، وحرم من الرجوع الى الحق ، ومن تزكية النفس ، فكان خلوده في هذه اللعنة قد نشأ عن وصف لازم له ، فهو دائم بدوام ذاته التي هي علته ، وامتنع أيضا أن ينظر ويمهل فيه ، أو ينظر الله اليه ويزكيه ، لانه لم يكن من شيء خارج عنه ، فهو الجاني والمعذب لنفسه ، فأي شيء يرجو من غيره؟
((١٦٣) وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٤) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نطقت الآيات السابقة بأن الذين يكتمون ما أنزله الله من البينات والهدى ملعونون لا ترجى لهم رحمة الله تعالى إلا أن يتوبوا فان هم ماتوا ـ على كتمانهم وما يستلزمه كفرهم من الاعمال كانوا خالدين في اللعنة لا يخفف عنهم من عذابها شيء ، إذ لا يقبل منهم افتداء ، ولا تنفعهم شفاعة الشفعاء ، (ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ) لان اللعنة تعمهم في الآخرة من جميع الملائكة والناس بحيث يظهر للعوالم أنهم لا يستحقون الرحمة حتى أن المرءوسين يتبرءون من الرؤساء الذين كانوا يتبعونهم في الضلال ويتخذون كلامهم دينا من دون كتاب الله كما سيأتي ، فناسب بعد هذا أن يبين الله تعالى أن شارع الدين ومحقّ الحق هو واحد لا يعبد غيره ، ولا تكتم هدايته ، ولا يجعل كلام البشر معيارا على كلامه ، وهو مفيض
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)