به وعيد الكافرين فيلحقه بالكفار. وهذا كلام قد ألفته الاسماع ، وأخذ بالتسليم واستعمل في الافحام والاقناع ، فان الذي يسمعه على علاته يرى نفسه ملزما برمي تاركي الأمر بالمعروف والدعوة الى الخير والنهي عن المنكر بالكفر ، وذلك مخالف للقواعد التي وضعوها للعقائد فلا يستطيع أن يقول ذلك. ولكنه اذا عرض على الله في الاخرة وعلى كتابه في الدنيا يظهر أنه لا قيمة له ، واذا بحثت فيه يظهر لك أن الذي يرى حرمات الله تنتهك أمام عينيه ، ودين الله يداس جهارا بين يديه ، ويرى البدع تمحو السنن ، والضلال يغشي الهدى ، ولا ينبض له عرق ولا ينفعل له وجدان ، ولا يندفع لنصرته بيد ولا بلسان ، هو هذا الذي اذا قيل له ان فلانا يريد أن يصادرك في شيء من رزقك (كالجراية مثلا) أو يحاول أن يتقدم عليك عند الأمراء والحكام ، تجيش في صدره المراجل ، ويضطرب باله ، ويتألم قلبه ، وربما تجافى جنبه عن مضجعه ، وهجر الرقاد عينيه ، ثم إنه يجد ويجتهد ويعمل الفكر في استنباط الحيل وإحكام التدبير لمدافعة ذلك الخصم أو الايقاع به ، فهل يكون لدين الله تعالى في نفس مثل هذا قيمته؟ وهل يصدق أن الايمان قد تمكن من قلبه ، والبرهان عليه قد حكم عقله ، والاذعان إليه قد ثلج صدره؟
يسهل على من نظر في بعض كتب العقائد التي بنيت على أساس الجدل أن يجادل نفسه ويغشها بما يسليها به من الاماني التي يسميها ايمانا ، ولكنه لو حاسبها فناقشها الحساب ورجع الى عقله ووجدانه لعلم أنه اتخذ إلهه هواه ، وأنه يعبد شهوته من دون الله ، وأن صفات المؤمنين التي سردها الكتاب سردا ، وأحصاها عدا ، وأظهرها بذل المال والنفس في سبيل الله ونشر الدعوة وتأييد الحق ـ كلما بريئة منه ، وأن صفات المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم كلهم راسخة فيه فليحاسب امرؤ نفسه قبل أن يحاسب ، وليتب إلى الله قبل حلول الاجل لعله يتوب عليه وهو التواب الرحيم.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) تقدم في الآية السابقة استحقاق اللعن للكافرين يكتمان الحق ، واستثنى منهم الذين يتوبون ثم ذكر في هذه الاية وما بعدها بيان أولئك اللاعن
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)