المادي ، فاذا مات المرء وخرجت روحه فانما تخرج بالجسم الاثيري وتبقى معه وهو جسم لا يتغير ولا يتبدل ولا يتحلل. وأما هذا الجسم المحسوس فانه يتحلل ويتبدل في كل بضع سنين. قال ويقرب هذا القول من مذهب المالكية فقد روي عن مالك رحمهالله تعالى انه قال : ان الروح صورة كالجسد. أي لها صورة وما الصورة إلا عرض ، وجوهر هذا العرض هو الذي سماه العلماء بالاثير.
وإذا كان من خواص الاثير النفوذ في الاجسام اللطيفة والكثيفة كما يقولون حتى انه هو الذي ينقل النور من الشمس إلى طبقة الهواء فلا مانع أن تتعلق به الروح المطلقة في الآخرة ثم هو يحل بها جسما آخر تنعم به وترزق سواء كان جسم طير أو غيره. وقد قال تعالى في آية أخرى (أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) وهذا القول يقرب معنى الآية من العلم. والمعتمد عند الاستاذ الامام في هذه الحياة هو انها حياة غيبية تمتاز بها أرواح الشهداء على سائر أرواح الناس ، بها يرزقون وينعمون ، ولكننا لا نعرف حقيقتها ولا حقيقة الرزق الذي يكون بها ، ولا نبحث عن ذلك لانه من عالم الغيب الذي نؤمن به ونفوض الامر فيه إلى الله تعالى.
ذكر الله تعالى فضل الشهادة التي استهدف لها المؤمنون في سبيل الدعوة إلى الحق والدفاع عنه ، ثم ذكر مجموع المصائب التي يبلوهم ويمتحنهم بها وهذه لا تنافي ما وعدهم به من نعم الدنيا فقال (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ) اي ولنمتحننكم ببعض ضروب الخوف من الاعداء وغيره من المصائب البشرية المعتادة في المعايش ، وأكد هذا بصيغة القسم لتوطين الانفس عليه فعلمهم به أن مجرد الانتساب إلى الايمان ، لا يقتضي سعة الرزق وقوة السلطان ، وانتفاء المخاوف والاحزان ، بل يجري ذلك بسنن الله تعالى في الخلق كما أن من سنن الخلق وقوع المصائب بأسبابها. وإنما المؤمن الموفق من يستفيد من مجاري الاقدار ، إذ يتربى ويتأدب بمقاومة الشدائد والاخطار ، ومن لم تعلمه الحوادث ، وتهذبه الكوارث ، فهو جاهل بهدي الدين ، متبع غير سبيل المؤمنين ، غير معتبر بقوله تعالى بعد ذكر هذا البلاء المبين
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)