سائر ما يعرض لهم من المصائب بالصبر والصلاة. اما الصبر فقد ذكر في القرآن سبعين مرة ولم تذكر فضيلة أخرى فيه بهذا المقدار ، وهذا يدل على عظم امره ، وقد جعل التواصي به في سورة العصر مقرونا بالتواصي بالحق ، اذ لا بد للداعي الى الحق منه والمراد بالصبر في هذه الآيات كلها ملكه الثبات والاحتمال التي تهون على صاحبها كل ما يلاقيه في سبيل تأييد الحق ونصر الفضيلة. فضيلة هي أم الفضائل التي تربي ملكات الخير في النفس ، فما من فضيلة الا وهي محتاجة اليها. وانما يظهر الصبر في ثبات الانسان على عمل اختياري يقصد به إثبات حق أو إزالة باطل أو الدعوة الى عقيدة ، أو تأييد فضيلة ، أو إيجاد وسيلة الى عمل عظيم ، لأن أمثال هذه الكليات التى تتعلق بالمصالح العامة هي التى تقابل من الناس بالمقاومة والمحادة التي يعوز فيها الصبر ، ويعز معها الثبات على احتمال المكاره ، ومصارعة الشدائد ، فالثابت على العمل في مثل هذه الحال هو الصابر وإن كان في أول الامر متكلفا ، ومتي رسخت الملكة يسمى صاحبها صبورا وصبارا. وليس كل متحمل للمكروه من الصابرين الذين أخبر الله في هذه الآية انه معهم وبشرهم في الآية الاتية ، وأثنى عليهم في آيات كثيرة ، بل لا بد من العمل للحق والثبات فيه كما قدمنا لأن الفضائل لا تتحقق الا بما يصدر عنها من الاعمال الاختيارية التي هي مناط الجزاء ، بل الصبر نفسه ملكة اكتسابية ولذلك امر الله تعالى به ، وانما يكون الامتثال بتعويد النفس احتمال المكاره والشدائد في سبيل الحق. وعلى ذلك جرى النبي عليه الصلاة والسّلام وأصحابه عليهم الرضوان ، حتى فازوا بعاقبة الصبر المحمودة ونصرهم الله تعالى مع قلتهم وضعفهم على جميع الامم مع قوتها وكثرتها ، وإنما كان ذلك بالصبر ، لان الله تعالى جعله سببا للنجاة من الخسر ، كما جاء في سورة العصر.
المتحمل للمكروه مع السآمة والضجر لا يعد صابرا ، وهذا هو شأن منتحلي العلم ومدعي الصلاح في هذا الزمان ، تراهم أضعف الناس قلوبا وأشدهم اضطرابا إذا عرض لهم شيء على غير ما يهوون ، على أن عنوان صلاحهم واستمساكهم بعروة الدين هو جرس الذكر وحركات الاعضاء في الصلاة ، وما كان للمصلي ولا للذاكر أن يكون ضعيف القلب عادم الثقة بالله تعالى وهو جل ثناؤه يبرئ المصلين
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)