الآتي ، وكان أثره حميد انافعا فيها ، تكون النعمة به أتم والمنة أكمل ، ولذلك عبر بالاتمام.
وذكر الاستاذ الامام من الحكمة في جعل القبلة في أول الامر بيت المقدس أن الكعبة كانت في أول الاسلام مشغولة بالاصنام والاوثان ، وكان سلطان أهل الشرك متمكنا فيها والامل في انكشافه عنها بعيدا فصرفه الله أولا عن استقبال بيت مدنس بعبادة الشرك ـ وقد كان الله أمر ابراهيم بتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود ـ الى بيت المقدس قبلة اليهود الذين هم أقرب من المشركين الى ما جاء به من التوحيد والتنزيه. ولما قرب زمن تطهير البيت الحرام من الأصنام والاوثان وعبادتها وإزالة سلطة الوثنيين عنه ، جعله الله تعالى قبلة للموحدين ليوجه النفوس اليه فيكون ذلك مقدمة لتطهيره واتمام النعمة بالاستيلاء عليه ، والسير فيه على ملة ابراهيم من التوحيد والعبادة الصحيحة لله تعالى وحده.
أقول : ويؤيد ما قرره الاستاذ الامام في تفسير الاتمام وكون تحويل القبلة مقدمة له قوله تعالى بعد ذكر فتح مكة في سورة الفتح (وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً) فكان في الآية بشارة بفتح مكة ونصر الله التوحيد على الشرك وما يتلو ذلك من نشر الاسلام ، وانتشار نوره في الأنام ، ولذلك قال في سورة الفتح بعد ما ذكر (وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً).
ثم ذكر سبحانه وتعالى الحكمة الثالثة لتحويل القبلة فقال (وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) أي وليعدكم بذلك الى الاهتداء بالثبات على الحق والرسوخ فيه ، فان المعارضات والمحاجات تظهر ضعف الباطل وزهوقه ، وتبين قوة الحق وثبوته ، فالحجة تتبختر اتضاحا ، والشبهة تتضاءل افتضاحا ، وقد خلت سنة الكون بأن الفتن تنير الطريق لاهل الحق ، وترخي سدول ظلمته على أهل الباطل ، وتمحص المؤمنين ، وتمحق الكافرين.
كل انسان يرى نفسه على الحق في الجملة ولكن التمكن في المعرفة والثبات على الحق لا يعرف في الغالب الا اذا وجد للمحق خصم ينازعه ويعارضه في الحق ، هنالك تتوجه قواه الى تأييد حقه وتمكينه ، ويحس بحاجته الى المناضلة دونه والثبات عليه ، وكثيرا ما يظهر الباطل الحق بعد خفائه ، فان المعارضة في الحق تحمل صاحبه على تنقيحه وتحريره وتنقيته مما عساه يلتصق به أو يجاوره من غواشي الباطل ، وتجعل
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ٢ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4718_tafsir-alquran-alhakim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)