يريده ويعمل لأنه خير في نفسه كالوفاء بالنذر أو لأن فيه خيرا لغيره كاطعام الطعام للمستحقين من عباد الله.
وإذ لا خير في عمل ولا صلاح إلا بالايمان بالله ورسوله واليوم الآخر كما قال تعالى : (أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ) (الأحزاب / ١٩) الى غير ذلك من الآيات.
فالأبرار مؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر ، وإذ كان إيمانهم إيمان رشد وبصيرة فهم يرون أنفسهم عبيدا مملوكين لربهم ، له خلقهم وأمرهم ، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا عليهم أن لا يريدوا إلا ما أراده ربهم ولا يفعلوا إلا ما يرتضيه فقدموا إرادته على ارادة أنفسهم وعملوا له فصبروا على مخالفة أنفسهم فيما تهواه وتحبه وكلفة الطاعة ، وعملوا ما عملوه لوجه الله ، فأخلصوا العبودية في مرحلة العمل لله سبحانه.
وهذه الصفات هي التي عرف سبحانه الأبرار بها كما يستفاد من قوله : (يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ) وقوله : (إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ) وقوله : (وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا) وهي المستفادة من قوله في صفتهم : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ) الخ (البقرة / ١٧٧) وقد مر بعض الكلام في معنى البر في تفسير الآية وسيأتي بعضه في قوله : (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) (المطففين / ١٨).
والآية أعني قوله : (إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ) الخ ؛ بما يتبادر من معناها من حيث مقابلتها لقوله : (إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ) الخ ؛ المبين لحال الكافرين في الآخرة ، تبين حال الأبرار في الآخرة في الجنة ، وانهم يشربون من شراب ممزوج بالكافور باردا طيب الرائحة.
قوله تعالى : (عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً) «عَيْناً» منصوب بنزع الخافض والتقدير من عين أو بالاختصاص والتقدير أخصّ عينا ، والشرب ـ على ما قيل ـ يتعدى بنفسه وبالباء فشرب بها وشربها واحد ، والتعبير عنهم بعباد الله للاشارة الى تحليهم بحلية العبودية وقيامهم بلوازمها على ما يفيده سياق المدح.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٦ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4692_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
