تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ ـ أي الحياة العاجلة وهي الحياة الدنيا ـ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ) أي تتركون الحياة الآخرة ، وما في الكلام من الإضراب إضراب عن حسبان عدم الإحياء بعد الموت نظير الإضراب في قوله : (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ).
قوله تعالى : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ») وصف ليوم القيامة بانقسام الوجوه فيه الى قسمين : ناضرة وباسرة ، ونضرة الوجه واللون والشجر ونحوها ونضارتها حسنها وبهجتها.
والمعنى : نظرا الى ما يقابله من قوله : (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ) الخ ؛ وجوه يوم إذ تقوم القيامة حسنة متهللة ظاهرة المسرة والبشاشة قال تعالى : (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) (المطففين / ٢٤) ، وقال : (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً) (الدهر / ١١).
وقوله : (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) خبر بعد خبر لوجوه ، و (إِلى رَبِّها) متعلق بناظرة قدم عليها لإفادة الحصر أو الأهمية.
والمراد بالنظر اليه تعالى ليس هو النظر الحسي المتعلق بالعين الجسمانية المادية التي قامت البراهين القاطعة على استحالته في حقه تعالى بل المراد النظر القلبي ورؤية القلب بحقيقة الإيمان على ما يسوق اليه البرهان ويدل عليه الأخبار المأثورة عن أهل العصمة عليهمالسلام وقد أوردنا شطرا منها في ذيل تفسير قوله تعالى : (قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) (الأعراف / ١٤٣) ، وقوله تعالى : (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى) (النجم / ١١).
فهؤلاء قلوبهم متوجهة الى ربهم لا يشغلهم عنه سبحانه شاغل من الأسباب لتقطع الأسباب يومئذ ، ولا يقفون موقفا من مواقف اليوم ولا يقطعون مرحلة من مراحله إلا والرحمة الإلهية شاملة لهم (وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) (النمل / ٨٩) ولا يشهدون مشهدا من مشاهد الجنة ولا يتنعمون بشيء من نعيمها إلا وهم يشاهدون ربهم به لأنهم لا ينظرون الى شيء ولا يرون شيئا إلا من حيث إنه آية لله سبحانه والنظر الى الآية من حيث إنها آية
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٦ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4692_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
