قوله تعالى : (وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) الحيد العدول والميل على سبيل الهرب ، والمراد بسكرة الموت ما يعرض الإنسان حال النزع إذ يشتغل بنفسه وينقطع عن الناس كالسكران الذي لا يدري ما يقول ولا ما يقال له.
وفي تقييد مجيء سكرة الموت بالحق إشارة الى أن الموت داخل في القضاء الإلهي مراد في نفسه في نظام الكون كما يستفاد من قوله تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء / ٣٥) ، وقد مر تفسيره فالموت ـ وهو الانتقال من هذه الدار الى دار بعدها ـ حق كما أن البعث حق والجنة حق والنار حق ، وفي معنى كون الموت بالحق أقوال أخر لا جدوى في نقلها والتعرض لها.
وفي قوله : (ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) إشارة الى أن الإنسان يكره الموت بالطبع وذلك أن الله سبحانه زيّن الحياة الدنيا والتعلق بزخارفها للانسان ابتلاء وامتحانا ، قال تعالى : (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً) (الكهف / ٨).
قوله تعالى : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ) هذه نقلة ثانية الى عالم الخلود بنفخ الصور بعد النقلة الاولى ، والمراد بنفخ الصور النفخة الثانية المقيمة للساعة أو مجموع النفختين بإرادة مطلق النفخ.
والمراد بيوم الوعيد يوم القيامة الذي ينجز الله تعالى فيه وعيده على المجرمين من عباده.
قوله تعالى : (وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ) السياقة حث الماشية على المسير من خلفها بعكس القيادة فهي جلبها من أمامها.
فقوله : (وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ) أي جاءت الى الله وحضرت عنده لفصل القضاء ، والدليل عليه قوله تعالى : (إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ) (القيامة / ٣٠).
والمعنى : وحضرت عنده تعالى كل نفس معها سائق يسوقها وشاهد يشهد بأعمالها ولم
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٦ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4692_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
