وابتلي بضنك المعيشة فإن الرزق مضمون والله على ما ضمنه قادر.
(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) باعتزاله عن نفسه فيما تهواه وتأمر به وإيثاره إرادة الله سبحانه على إرادة نفسه والعمل الذي يريده الله على العمل الذي تهواه وتريده نفسه وبعبارة اخرى تدين بدين الله وعمل بأحكامه (فَهُوَ حَسْبُهُ) أي كافية فيما يريده من طيب العيش ويتمناه من السعادة بفطرته لا بواهمته الكاذبة.
وذلك أنه تعالى هو السبب الأعلى الذي تنتهي اليه الأسباب فإذا أراد شيئا فعله وبلغ ما أراده من غير أن تتغير إرادته فهو القائل (ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ) (ق / ٢٩) ، أو يحول بينه وبين ما أراده مانع فهو القائل (وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) (الرعد / ٤١) ، وأما الأسباب الاخر التي يتشبث بها الإنسان في رفع حوائجه فإنما تملك من السببية ما ملكها الله سبحانه وهو المالك لما ملكها والقادر على ما عليه أقدرها ولها من الفعل مقدار ما أذن الله فيه.
فالله كاف لمن توكل عليه لا غيره (إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ) يبلغ حيث أراد ، وهو القائل (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) فما من شيء إلّا له قدر مقدور وحدّ محدود والله سبحانه لا يحدّه حد ولا يحيط به شيء وهو المحيط بكل شيء.
هذا هو معنى الآية بالنظر الى وقوعها في سياق آيات الطلاق وانطباقها على المورد.
وأما بالنظر الى إطلاقها في نفسها مع الغض عن السياق الذي وقعت فيه فقوله : (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) مفاده أن من اتقى الله بحقيقة معنى تقواه ولا يتم ذلك إلّا بمعرفته تعالى بأسمائه وصفاته ثم تورعه واتقاؤه بالاجتناب عن المحرمات وتحرز ترك الواجبات خالصا لوجهه الكريم ، ولازمه أن لا يريد إلّا ما يريده الله من فعل أو ترك ، ولازمه أن يستهلك إرادته في إرادة الله فلا يصدر عنه فعل إلّا عن إرادة من الله.
ولازم ذلك أن يرى نفسه وما يترتب عليها من سمة أو فعل ملكا طلقا لله سبحانه يتصرف فيها بما يشاء وهو ولاية الله يتولى أمر عبده فلا يبقى له من الملك بحقيقة معناه شيء إلّا ما ملّكه
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٦ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4692_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
