لكم يناسب الحياة الآخرة وراء الخلق الدنيوي الداثر فالموت انتقال من دار الى دار وتبدّل خلق الى خلق آخر وليس بانعدام وفناء.
قوله تعالى : (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ) المراد بالنشأة الاولى نشأة الدنيا ، والعلم بها بخصوصياتها يستلزم الإذعان بنشأة اخرى خالدة فيها الجزاء ، فإن من المعلوم من النظام الكوني أن لا لغو ولا باطل في الوجود فلهذا النشأة الفانية غاية باقية ، وأيضا من ضروريات هذا النظام هداية كل شيء الى سعادة نوعه وهداية الإنسان تحتاج الى بعث الرسل وتشريع الشرائع وتوجيه الأمر والنهي ، والجزاء على خير الأعمال وشرّها وليس في الدنيا فهو في دار اخرى وهي النشأة الآخرة (١).
على أنهم شاهدوا النشأة الاولى وعرفوها وعلموا أن الذي أوجدها عن كتم العدم هو الله سبحانه وإذ قدر عليها أولا فهو على إيجاد مثلها ثانيا قادر ، قال تعالى : (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ) (يس / ٧٩) ، وهذا برهان على الإمكان يرتفع به استبعادهم للبعث.
وبالجملة يحصل لهم بالعلم بالنشأة الاولى علم بمبادىء البرهان على إمكان البعث فيرتفع به استبعاد البحث فلا استبعاد مع الإمكان.
وهذا ـ كما ترى ـ وبرهان على إمكان حشر الأجساد ، محصله أن البدن المحشور مثل البدن الدنيوي وإذ جاز صنع البدن الدنيوي وإحياؤه فليجز صنع البدن الاخروي وإحياؤه لأنه مثله وحكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد.
قوله تعالى : (أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ـ الى قوله ـ مَحْرُومُونَ) بعد ما ذكّرهم بكيفية خلق أنفسهم وتقدير الموت بينهم تمهيدا للبعث والجزاء وكل ذلك من لوازم ربوبيّته عدّ لهم امورا ثلاثة من أهم ما يعيشون به في الدنيا وهي الزرع الذي يقتاتون به والماء الذي يشربونه
__________________
(١) الآية ٢٧ و ٢٨ من سورة ص.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٦ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4692_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
