بيان :
تتضمن السورة الإشارة الى خلقه تعالى العالم بأجزائه من سماء وأرض وبرّ وبحر وإنس وجن ونظم أجزائه نظما ينتفع به الثقلان الإنس والجن في حياتهما وينقسم بذلك العالم الى نشأتين : نشأة دنيا ستفنى بفناء أهلها ، ونشأة أخرى باقية تتميز فيها السعادة من الشقاء والنعمة من النقمة.
وبذلك يظهر أن دار الوجود من دنياها وآخرتها ذات نظام واحد مؤتلف الأجزاء مرتبط الأبعاض قويم الأركان يصلح بعضه ببعض ويتم شطر منه بشطر.
فما فيه من عين وأثر ، من نعمه تعالى وآلائه ، ولذا يستفهمهم مرة بعد مرة استفهاما مشوبا بعتاب بقوله : (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) فقد كررت الآية في السورة إحدى وثلاثين مرة.
ولذلك افتتحت السورة بذكره تعالى بصفة رحمته العامة الشاملة للمؤمن والكافر والدنيا والآخرة واختتمت بالثناء عليه بقوله : (تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ).
والسورة يحتمل كونها مكية أو مدنية وإن كان سياقها بالسياق المكي أشبه وهي السورة الوحيدة في القرآن التتحت بعد البسملة باسم من أسماء الله عز اسمه ، وفي المجمع عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهمالسلام عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : لكل شيء عروس وعروس القرآن سورة الرحمن جلّ ذكره ، ورواه في الدر المنثور عن البيهقي عن علي عليهالسلام عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم.
قوله تعالى : (الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ) الرحمان كما تقدم في تفسير سورة الفاتحة صيغة مبالغة تدل على كثرة الرحمة ببذل النعم ولذلك ناسب أن يعم ما يناله المؤمن والكافر من نعم الدنيا وما يناله المؤمن من نعم الآخرة ، ولعمومه ناسب أن يصدّر به الكلام لاشتمال الكلام في السورة على أنواع النعم الدنيوية والاخروية التي ينتظم بها عالم الثقلين الإنس والجن.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٦ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4692_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
