بنظام عام إجمالي يحكم على الجميع ولذا أتبع العرش في أغلب ما وقع فيه من الموارد بما فيه معنى التدبير كقوله : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ) (الأعراف / ٥٤) وقوله : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) (يونس / ٣) ، وقوله : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ) (الحديد / ٤) ، وقوله : (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) (البروج / ١٦).
والوجه في ذكر الإستواء على العرش ، بعد ذكر خلق السماوات والأرض إن الكلام في اختصاص الربوبية والالوهية بالله وحده ومجرد استناد الخلقة اليه تعالى لا ينفع في إبطال ما يقول به الوثنية شيئا فإنهم لا ينكرون استناد الخلقة اليه وحده وإنما يقولون باستناد التدبير وهو الربوبية للعالم الى آلهتهم ثم اختصاص الالوهية وهي المعبودية بآلهتهم ولله تعالى من الشأن أنه رب الأرباب وإله الآلهة.
فكان من الواجب عند إقامة الحجة لإبطال قولهم أن يذكر أمر الخلقة ثم يتعقب بأمر التدبير لمكان تلازمهما وعدم انفكاك أحدهما من الآخر حتى يكون موجد الأشياء وخالقها هو الذي يربها ويدبر أمرها فيكون ربا وحده وإلها وحده كما أنه موجد خالق وحده.
ولذلك بعينه ذكر أمر التدبير بعد ذكر الخلقة في الآية التي نحن فيها إذ قيل (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ) فالولاية والشفاعة كالاستواء على العرش من شؤن التدبير.
وقوله : (ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ) الولي هو الذي يملك تدبير أمر الشيء ومن المعلم أن أمورنا والشؤن التي تقوم به حياتنا قائمة بالوجود محكومة مدبرة للنظام العام الحاكم في الأشياء عامة وما يخص بنا من نظام خاص ، والنظام أيا ما كان من لوازم خصوصيات خلق الأشياء والخلقة كيفما كانت مستندة اليه تعالى فهو تعالى وليّنا القائم بأمرنا المدبّر لشؤننا وأمورنا ، كما هو وليّ كل شيء كذلك وحده لا شريك له.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٥ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4691_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
