وتهتف له بما ينفعه وما يضرّه في حياته ، قال تعالى : (وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) (الشمس / ٨) ، وهو مع ذلك مجهز بما يتم له به ما يجب له أن يقصده من العمل ، قال تعالى : (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) (عبس / ٢٠).
فللانسان فطرة خاصة تهديه الى سنة خاصة في الحياة وسبيل معينة ذات غاية مشخصة ليس له إلّا أن يسلكها خاصة وهو قوله : (فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها) وليس الانسان العائش في هذه النشأة إلّا نوعا واحدا لا يختلف ما ينفعه وما يضرّه بالنظر الى هذه البنية المؤلفة من روح وبدن فما للانسان من جهة أنه إنسان إلّا سعادة واحدة وشفاء واحد فمن الضروري حينئذ أن يكون تجاه عمله سنة واحدة ثابتة يهديه اليها هاد واحد ثابت.
وليكن ذاك الهادي هو الفطرة ونوع الخلقة ولذلك عقّب قوله : (فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها) بقوله : (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ).
فلو اختلفت سعادة الانسان باختلاف أفراده لم ينعقد مجتمع واحد صالح يضمن سعادة الأفراد المجتمعين ، ولو اختلفت السعادة باختلاف الأقطار التي تعيش فيها الامم المختلفة بمعنى أن يكون الأساس الوحيد للسنة الاجتماعية أعني الدين هو ما يقتضيه حكم المنطقة كان الانسان أنواعا مختلفة باختلاف الأقطار ، ولو اختلفت السعادة باختلاف الأزمنة بمعنى أن تكون الأعصار والقرون هي الأساس الوحيد للسنة الدينية اختلفت نوعية كل قرن وجيل مع من ورثوا من آبائهم أو أخلفوا من أبنائهم ولم يسر الاجتماع الانساني سير التكامل ولم تكن الانسانية متوجهة من النقص الى الكمال إذ لا يتحقق النقص والكمال إلّا مع أمر مشترك ثابت محفوظ بينهما.
وليس المراد بهذا إنكار أن يكون لاختلاف الأفراد أو الأمكنة أو الأزمنة بعض التأثير في انتظام السنة الدينية في الجملة بل إثبات أن الأساس للسنة الدينية هو البنية الانسانية التي هي حقيقة واحدة ثابتة مشتركة بين الأفراد ، فللانسانية سنة واحدة ثابتة بثبات أساسها
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٥ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4691_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
