رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) الخطاب للرجل وهو ـ كما يفيده السياق ـ يلوح الى أن القوم قتلوه فنودي من ساحة العزة أن ادخل الجنة كما يؤيده قوله بعد : (وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ) الخ ؛ فوضع قوله : (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) موضع الإخبار عن قتلهم إياه إشارة الى أنه لم يكن بين قتله بأيديهم وبين أمره بدخول الجنة أي فصل وانفكاك كأن قتله بأيدهم هو أمره بدخول الجنة.
والمراد بالجنة على هذا جنة البرزخ دون جنة الآخرة ، وقول بعضهم : إن المراد بها جنة الآخرة والمعنى سيقال له : ادخل الجنة. يوم القيامة والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع تحكم من غير دليل كما قيل : إن الله رفعه الى السماء فقيل له ادخل الجنة فهو حي يتنعم فيها الى قيام السعة ، وهو تحكم كسابقه.
وقوله : (قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ، بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) استئناف كسابقه كالجواب عن سؤال مقدر كأنه قيل : ما ذا كان بعد تأييده للرسل؟ فقيل (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) ثم قيل : فما ذا كان بعد؟ فقيل (قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) الخ ؛ وهو نصح منه لقومه ميتا كما كان ينصحهم حيا.
وما في قوله : (بِما غَفَرَ لِي) الخ ، مصدرية ، وقوله : (وَجَعَلَنِي) عطف على (غَفَرَ) والمعنى بمغفرة ربي لي وجعله إياي من المكرمين.
وموهبة الإكرام وإن كانت وسيعة ينالها كثيرون كالإكرام بالنعمة كما في قوله : (فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) (الفجر / ١٥) ، وقوله : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) (الحجرات / ١٣) فإن كرامة العبد عند الله إكرام منه له لكنه لم يعد من المكرمين بوصف الاطلاق إلا طائفتين من خلقه : الملائكة الكرام كما في قوله : (بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (الأنبياء / ٢٧) ، والكاملين في إيمانهم من المؤمنين سواء كانوا من المخلصين بكسر اللام كما في قوله : (أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ)
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٥ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4691_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
