والمراد بالقوم إن كان هو قريش ومن يلحق بهم فالمراد بآبائهم آباؤهم الأدنون فإن الأبعدين من آبائهم كان فيهم النبي إسماعيل ذبيح الله ، وقد أرسل الى العرب رسل آخرون كهود وصالح وشعيب عليهمالسلام ، وإن كان المراد جميع الناس المعاصرين نظرا الى عموم الرسالة فكذلك أيضا فآخر رسول معروف بالرسالة قبله صلىاللهعليهوآلهوسلم هو عيسى عليهالسلام وبينهما زمان الفترة.
واعلم أن ما ذكرناه في تركيب الآيات هو الذي يسبق منها الى الفهم وقد أوردوا في ذلك وجوها أخر بعيده عن الفهم تركناها من أرادها فليراجع المطولات.
قوله تعالى : (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) اللام للقسم أي أقسم لقد ثبت ووجب القوم على أكثرهم ، والمراد بثبوت القول عليهم صيرورتهم مصاديق يصدق عليهم القول.
والمراد بالقول الذي حق عليهم كلمة العذاب التي تكلم بها الله سبحانه في بدء الخلقة مخاطبا بها إبليس (فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) (ص / ٨٥) والمراد بتبعية إبليس طاعته فيما يأمر به بالوسوسة والتسويل بحيث تثبت الغواية وترسخ في النفس كما يشير اليه قوله تعالى خطابا لإبليس : (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) (الحجر / ٤٣).
قوله تعالى : (إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) الأعناق جمع عنق بضمتين وهو الجيد ، والاغلال جمع غل بالكسر وهي على ما قيل ما تشد به اليد الى العنق للتعذيب والتشديد ، ومقمحون اسم مفعول من الإقماح وهو رفع الرأس كأنهم قد ملأت الأغلال ما بين صدورهم الى أذقانهم فبقيت رؤوسهم مرفوعة الى السماء لا يتأتى لهم أن ينكسوها فينظروا الى ما بين أيديهم من الطريق فيعرفوها ويميزوها من غيرها.
وتنكير قوله : (أَغْلالاً) للتفخيم والتهويل.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٥ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4691_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
