المسبب وأن قوله : (وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) معطوف على قوله : (فَقَدْ كُذِّبَتْ) الخ ؛
قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ) خطاب عام للناس يذكرهم بالمعاد كما كان الخطاب العام السابق يذكرهم بتوحده تعالى في الربوبية والالوهية.
فقوله : (إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ) أي وعده أنه يبعثكم فيجازي كل عامل بعمله إن خيرا وإن شرا حق أي ثابت واقع ، وقد صرح بهذا الوعد في قوله الآتي : (الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ).
وقوله : (فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا) النهي وإن كان متوجها الى الحياة الدنيا صورة لكنه في الحقيقة متوجه اليهم ، والمعنى اذا كان وعد الله حقا فلا تغتروا بالحياة الدنيا بالاشتغال بزينتها والتهلي بما ينسيكم يوم الحساب من ملاذها وملاهيها والاستغراق في طلبها والإعراض عن الحق.
وقوله : (وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ) الغرور بفتح الغين صيغة مبالغة من الغرور بالضم وهو الذي يبالغ في الغرور ومن عادته ذلك ، والظاهر ـ كما قيل ـ أن المراد به الشيطان ويؤيده التعليل الواقع في الآية التالية (إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ) الخ.
ومعنى غروره بالله توجيهه أنظارهم الى مظاهر حلمه وعفوه تعالى تارة ومظاهر ابتلائه واستدراجه وكيده أخرى فيرون أن الاشتغال بالدنيا ونسيان الآخرة والإعراض عن الحق والحقيقة لا يستعقب عقوبة ولا يستتبع مؤاخذة ، وأن أبناء الدنيا كلما أمعنوا في طلبهم وتوغلوا في غفلتهم واستغرقوا في المعاصي والذنوب زادوا في عيشهم طيبا وفي حياتهم راحة وبين الناس جاها وعزة فيلقي الشيطان عند ذلك في قلوبهم أن لا كرامة إلا في التقدم في الحياة الدنيا ، ولا خبر عما وراءها وليس ما تتضمنه الدعوة الحقة من الوعد والوعيد وتخبر به النبوة من البعث والحساب والجنة والنار إلا خرافة.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٥ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4691_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
