فالسياق يشير الى أن ما في السماوات والأرض من خلق وأمر هو لله يستدعي بحسنه حمدا وثناء لله سبحانه وأن للانسان على مر الدهور وتغيّر الأزمنة والأوقات من الشرك والمعصية ما يتنزه عنه ساحة قدسه تعالى وتقدس.
نعم ههنا اعتبار آخر يتداخل فيه التحميد والتسبيح وهو أن الأزمنة والأوقات على تغيرها وتصرّمها من جملة ما في السماوات والأرض فهي بوجودها يثني على الله تعالى ، ثم كل ما في السماوات والأرض بفقرها اليه تعالى وذلّتها دونه ونقصها بالنسبة الى كماله تعالى تسبحه كما قال : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) (الإسراء / ٤٤) ، لكن هذا الاعتبار غير منظور اليه في الآيتين اللتين نحن فيهما.
قوله تعالى : (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ) ظاهر إخراج الحي من الميت وبالعكس خلق ذوي الحياة من الأرض الميتة ثم تبديل ذوي الحياة أرضا ميتة ، وقد فسّر بخلق المؤمن من الكافر وخلق الكافر من المؤمن فإنه يعدّ المؤمن حيا والكافر ميتا ، قال تعالى : (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً) (الأنعام / ١٢٢).
وأما إحياء الأرض بعد موتها فهو انتعاش الأرض وابتهاجها بالنبات في الربيع والصيف بعد خمودها في الخريف والشتاء ، وقوله : (وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ) أي تبعثون وتخرجون من قبوركم بإحياء جديد كإحياء الأرض بعد موتها ، وقد تقدم تفسير نظير صدر الآية وذيلها مرارا (١).
(وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)
__________________
(١) الروم ١ ـ ١٩ : بحث روائي حول غلبة الروم ومقامرة ابي بكر مع المشركين.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٥ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4691_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
