القول المنسوب اليه تعالى في القرآن يستعمل في الوحي النبوي وفي الابلاغ بواسطة الوحي كقوله تعالى : (وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ) (البقرة / ٣٥) وقوله : (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ) (البقرة / ٥٨) ، ويستعمل في الالهام الذي ليس من النبوة كقوله : (وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ) (القصص / ٧).
وبه يظهر أن قوله : (قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ) الخ ؛ لا يدل على كونه نبيا يوحى اليه لكون قوله تعالى أعم من الوحي المختص بالنبوة ولا يخلو قوله : (ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ) الخ ؛ حيث أورد في سياق الغيبة بالنسبة اليه تعالى من إشعار بأن مكالمته كانت بتوسط نبي كان معه فملكه نظير ملك طالوت في بني إسرائيل بإشارة من نبيهم وهدايته.
وقوله : (إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً) أي إما أن تعذب هؤلاء القوم وإما أن تتخذ فيهم أمرا ذا حسن ، فحسنا مصدر بمعنى الفاعل قائم مقام موصوفه أو هو وصف للمبالغة ، وقد قيل : إن في مقابلة العداب باتخاذ الحسن إيماء الى ترجيحه والكلام ترديد خبري بداعي الاباحة فهو إنشاء في صورة الإخبار ، والمعنى لك أن تعذبهم ولك أن تعفو عنهم كما قيل ، لكن الظاهر أنه استخبار عما سيفعله بهم من سياسة أو عفو ، وهو الأوفق بسياق الجواب المشتمل على التفصيل بالتعذيب والإحسان (أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ) الخ ؛ إد لو كان قوله : (إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ) الخ ؛ حكما تخييريا لكان قوله : (أَمَّا مَنْ ظَلَمَ) الخ ؛ تقريرا له وإيذانا بالقبول ولا كثير فائدة فيه.
ومحصل المعنى : استخبرناه ماذا تريد أن تفعل بهم من العذاب والإحسان وقد غلبتهم واستوليت عليهم؟ فقال : نعذب الظالم منهم ثم يرد الى ربه فيعذبه العذاب النكر ، ونحسن الى المؤمن الصالح ونكلفه بما فيه يسر.
ولم يذكر المفعول في قوله : (إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ) بخلاف قوله : (إِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً) لأن جميعهم لم يكونوا ظالمين ، وليس من الجائز تعميم العذاب لقوم هذا شأنهم بخلاف تعميم
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
