وبوجه آخر هي فرقان للجميع لكنها ضياء وذكر للمتقين خاصة لا ينتفع بها غيرهم ولذا جيء بالضياء والذكر منكرين ليتقيدا بقوله : (لِلْمُتَّقِينَ) بخلاف الفرقان وقد سميت التوراة نورا وذكرا في قوله تعالى : (فِيها هُدىً وَنُورٌ) (المائدة / ٤٤) وقوله : (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) (الآية ٧ من السورة).
قوله تعالى : (وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) الإشارة بهذا الى القرآن وإنما سمي ذكرا مباركا لأنه ثابت دائم كثير البركات ينتفع به المؤمن والكافر في المجتمع البشري وتتنعم به الدنيا سواء عرفته أو أنكرته أقرت بحقه أو جحدته.
يدل على ذلك تحليل ما نشاهد اليوم من آثار الرشد والصلاح في المجتمع العام البشري والرجوع بها القهقرى الى عصر نزول القرآن فما قبله فهو الذكر المبارك الذي يسترشد بمعناه وان جهل الجاهلون لفظه ، وأنكر الجاحدون حقه وكفروا بعظيم نعمته ، وأعانهم على ذلك المسلمون بإهمالهم في أمره ، وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا.
قوله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ) انعطاف الى ما قبل موسى وهارون ونزول التوراة كما يفيده قوله : (مِنْ قَبْلُ) والمراد أن إيتاء التوراة لموسى وهارون لم يكن بدعا من أمرنا بل أقسم لقد آتينا قبل ذلك إبراهيم رشده.
والرشد خلاف الغي وهو إصابة الواقع ، وهو في إبراهيم عليهالسلام اهتداؤه الفطري التام الى التوحيد وسائر المعارف الحقة ، وإضافة الرشد الى الضمير الراجع الى إبراهيم تفيد الاختصاص وتعطي معنى اللياقة ، ويؤيد ذلك قوله بعده : (وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ) وهو كناية عن العلم بخصوصية حاله ومبلغ استعداده.
والمعنى : وأقسم لقد أعطينا إبراهيم ما يستعد له ويليق من الرشد وإصابة الواقع وكنا عالمين بمبلغ استعداده ولياقته ، والذي آتاه الله سبحانه ـ كما تقدم ـ هو ما أدركه بصفاء فطرته ونور بصيرته من حقيقة التوحيد وسائر المعارف الحقة من غير تعليم معلم أو تذكير مذكر أو
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
