ميتون ، ولا ينفعهم موتك شيئا فلا أنهم يقبضون على الخلود بموتك ، فالجميع ميتون ، ولا أن حياتهم القصيرة المؤجلة تخلو من الفتنة والامتحان الإلهي فلا يخلو منه إنسان في حياته الدنيا ، ولا أنهم خارجون بالآخرة من سلطاننا بل الينا يرجعون فنحاسبهم ونجزيهم بما عملوا.
وقوله : (أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) ولم يقل : فهم خالدون والإستفهام للإنكار يفيد نفي قصر القلب كأنه قيل : إن قولهم : نتربص به ريب المنون كلام من يرى لنفسه خلودا أنت مزاحمه فيه فلو مت لذهب بالخلود وقبض عليه وعاش عيشة خالدة طيبة ناعمة وليس كذلك بل نفس ذائقة الموت ، والحياة الدنيا مبنية على الفتنة والإمتحان ، ولا معنى للفتنة الدائمة والامتحان الخالد بل يجب أن يرجعوا الى ربهم فيجازيهم على ما امتحنهم وميّزهم.
قوله تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) لفظ النفس ـ على ما يعطيه التأمل في موارد استعماله ـ أصل معناه هو معنى ما أضيف اليه فنفس الشيء معناه الشىء ونفس الإنسان معناه هو الإنسان ونفس الحجر معناه هو الحجر فلو قطع عن الإضافة لم يكن له معنى محصل ، وعلى هذا المعنى يستعمل لتأكيد اللفظي كقولنا : جاءني زيد نفسه أو لإفادة معناه كقولنا : جاءني نفس زيد.
وبهذا المعنى يطلق على كل شيء حتى عليه تعالى كما قال : (كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) (الأنعام / ١٢) ، وقال : (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) (آل عمران / ٢٨) ، وقال : (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ) (المائدة / ١١٦).
ثم شاع استعمال لفظها في شخص الإنسان خاصة وهو الموجود المركب من روح وبدن فصار ذا معنى في نفسه وإن قطع عن الإضافة قال تعالى : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها) أي من شخص إنساني واحد ، وقال : (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) (المائدة / ٣٢) ،
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
