ونظيره ما نقل عن أبي مسلم أنها تتصل بقوله في أول السورة : (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ) والحساب هو السؤال عما أنعم الله عليهم به ، وهل قابلوا نعمه بالشكر أم قابلوها بالكفر؟ وفيه أن للآيات التالية لهذه الآية اتصالا واضحا بما قبلها فلا معنى لا تصالها وحدها بأول السورة. على أن قوله على تقدير تسليمه يوجه اتصال ذيل الآية والصدر باق على ما كان.
وأنت خبير أن توجيه الآية بالملك دون الحكمة كما قدمناه يكشف عن اتصال الآية بما قبلها من قوله : (فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) فالعرش ـ كما تقدم ـ كناية عن الملك فتتصل الآيتان ويكون قوله : (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) بالحقيقة برهانا على ملكه تعالى كما أن ملكه وعدم مسؤليته برهان على ربوبيته ، وبرهانا على مملوكيتهم كما أن مملوكيتهم ومسؤليتهم برهان على عدم ربوبيتهم فإن الفاعل الذي ليس بمسؤل عن فعله بوجه هو الذي يملك الفعل مطلقا لا محالة ، والفاعل الذي هو مسؤل عن فعله هو الذي لا يملك الفعل إلا إذا كان ذا مصلحة والمصلحة هي التي تملكه وترفع المؤاخذة عنه ، ورب العالم أو جزء من أجزائه هو الذي يملك تدبيره باستقلال من ذاته أي لذاته لا بإعطاء من غيره فالله سبحانه هو رب العرش وغيره مربوبون له (١).
قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) تثبيت لما قيل في الآية السابقة إن الذكر يذكر توحيده ووجوب عبادته ولا يخلو من تأييد ما للمعنى الثاني من معنيي الذكر.
وقوله : (نُوحِي إِلَيْهِ) مفيد للاستمرار ، وقوله : (فَاعْبُدُونِ) خطاب للرسل ومن معهم من أممهم والباقي ظاهر.
قوله تعالى : (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) ظاهر
__________________
(١) الانبياء ١٦ ـ ٣٣ : بحث في حكمته تعالى ومعنى كون فعله مقارنا للمصلحة وهو بحث فلسفي وقرآني.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
