وقوله : (إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) تعليل لمحذوف يدلّ عليه اللفظ ومحصّله لو كنت مانعتهم عن عبادة العجل وقاومتهم بالغة ما بلغت لم يطعني إلا بعض القوم وأدّى ذلك الى تفرّقهم فرقتين : مؤمن مطيع ، ومشرك عاص ، وكان في ذلك إفساد حال القوم بتبديل اتحادهم واتفاقهم الظاهر تفرّقا واختلافا وربما انجرّ الى قتال وقد كنت أمرتني بالإصلاح إذ قلت لي (أَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) فخشيت أن تقول حين رجعت وشاهدت ما فيه القوم من التفرق والتحزب : فرّقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. هذا ما اعتذر به هارون وقد عذره موسى ودعا له ولنفسه كما في سورة الأعراف بقوله : (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأعراف / ١٥١).
قوله تعالى : (قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُ) رجوع منه عليهالسلام بعد الفراغ من تكليم أخيه الى تكليم السامري وهو أحد المسؤلين الثلاثة وهو الذي أضلّ القوم.
والخطب : الأمر الخطير الذي يهمّك ، يقول : ما هذا الأمر العظيم الذي جئت به؟
قوله تعالى : (قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) قال الراغب في المفردات : البصر يقال للجارحة الناظرة نحو قوله : (كَلَمْحِ الْبَصَرِ) (وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ) وللقوة التي فيها ، ويقال لقوة القلب المدركة بصيرة وبصر نحو قوله : (فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) وقال : (ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى) وجمع البصر أبصارهم وجمع البصيرة بصائر ، قال تعالى : (فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ) ولا يكاد يقال للجارحة : بصيرة ، ويقال من الأول : أبصرت ، ومن الثاني : أبصرته وبصرت به ، وقلما يقال في الحاسة بصرت إذا لم تضامّه رؤية القلب. انتهى.
وقوله : (فَقَبَضْتُ قَبْضَةً) قيل : إن القبضة مصدر بمعنى اسم المفعول وأورد عليه أن المصدر إذا استعمل كذلك لم تلحق به التاء ، يقال : هذه حلة نسج اليمن ، ولا يقال : نسجة
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
