من قول موسى (هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي) أن قومه على حسن حال لم يحدث فيهم ما يوجب قلقا فكأنه قيل : لا تكن واثقا على ما خلّفتهم فيه فإنا قد فتنّاهم فضلّوا.
وقوله : (قَوْمَكَ) من وضع الظاهر موضع المضمر ولعل المراد غير المراد به في الآية السابقة أن يكون ما ههنا عامة القوم وما هناك السبعون رجلا الذين اختارهم موسى للميقات.
قوله تعالى : (فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً) ـ الى قوله ـ (فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي) الغضبان صفة مشبهة من الغضب ، وكذا الاسف من الاسف بفتحتين وهو الحزن وشدة الغضب ، والموعد الوعد ، وإلا فهم موعده هو تركهم ما وعدوه من حسن الخلافة بعده حتى يرجع اليهم ، ويؤيده قوله في موضع آخر : (بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي).
والمعنى : فرجع موسى الى قومه والحال أنه غضبان شديد الغضب ـ أو حزين ـ وأخذ يلومهم على ما فعلوا ، قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ـ وهو أن ينزل عليهم التوراة فيها حكم الله وفي الأخذ بها سعادة دنياهم وأخراهم ـ أو وعده تعالى أن ينجيهم من عدوّهم ويمكّنهم في الأرض ويخصّهم بنعمه العظام (أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ) وهو مدة مفارقة موسى إياهم حتى يكونوا آيسين من رجوعه فيختل النظم بينهم (أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ) فطغوتم بالكفر به بعد الإيمان وعبدتم العجل (فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي) وتركتم ما وعدتموني من حسن الخلافة بعدي.
قوله تعالى : (قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا) الى آخر الآية الملك بالفتح فالسكون مصدر ملك يملك وكأن المراد بقولهم : (ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا) ما خالفناك ونحن نملك من أمرنا شيئا ـ كما قيل ـ ومن الممكن أن يكون المراد أنّا لم نصرف في صوغ العجل شيئا من أموالنا حتى نكون قاصدين لهذا الأمر متعمدين فيه ولكن كنا حاملين لأثقال من خليّ القوم فطرحناها فأخذها السامري وألقاها في النار فأخرج العجل.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
