وزخرفها من قدر ومنزلة وغشيت قلوبهم فأزالت منها رذيلة الجبن والملق واتّباع الهوى والتولّه الى سراب زينة الحياة الدنيا ومكّنت فيها التعلق بالحق والدخول تحت ولاية الله والاعتزاز بعزته فلا يريدون إلا ما أراده الله ولا يرجون إلا الله ولا يخافون إلا الله عزّ اسمه.
وفي قولهم : (ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ) تلويح الى أنهم عدّوا ما شاهدوه من أمر العصا آيات عديدة كصيرورتها ثعبانا وتلقّفها الحبال والعصي ورجوعها ثانيا الى حالتها الاولى ، ويمكن أن يكون (مِنَ) للتبعيض فيفيد أنهم شاهدوا آية واحدة وآمنوا بأن لله آيات اخرى كثيرة ولا يخلو من بعد.
قوله تعالى : (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى) الخطايا جمع خطيئة وهي قريبة معنى من السيئة ، وقوله : (وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ) معطوف على (خَطايانا) و (مِنَ السِّحْرِ) بيان له والمعنى وليغفر لنا السحر الذي أكرهتنا عليه وفيه دلالة على أنهم أكرهوا عليه إما حين حشروا الى فرعون من خلال ديارهم وإما حين تنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى فحملوا على المقابلة والمغالبة.
وأول الآية تعليل لقولهم : (لَنْ نُؤْثِرَكَ) الخ ؛ أي إنما اخترنا الله الذي فطرنا عليك وآمنا به ليغفر لنا خطايانا والسحر الذي أكرهتنا عليه ، وذيل الآية (وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى) من تمام البيان وبمنزلة التعليل لصدرها كأنه قيل : وإنما آثرنا غفرانه على إحسانك لأنه خير وأبقى ، أي خير من كل خير وأبقى من كل باق ـ لمكان الإطلاق ـ فلا يؤثر عليه شيىء وفي هذا الذليل نوع مقابلة لما في ذيل كلام فرعون (وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى).
وقد عبروا عنه تعالى أولا بالذي فطرنا ، وثانيا بربنا ، وثالثا بالله ، أما الأول فلأن كونه تعالى فاطرا لنا اي مخرجا لنا عن كتم العدم الى الوجود ويتبعه انتهاء كل خير حقيقي اليه وان ليس عند غيره إذا قوبل به إلا سراب البطلان ، منشأ كل ترجيح والمقام مقام الترجيح بينه تعالى وبين فرعون.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
