الآية ؛ لفظة كان في قوله : (مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ) تدلّ على استمرارهم في الضلالة لا مجرد تحقق ضلالة ما ، وبذلك يتمّ التهديد بمجازاتهم بالإمداد والاستدراج الذي هو إضلال بعد الضلال.
وقوله : (فَلْيَمْدُدْ) صيغة أمر غائب ويؤل معناه الى أن من الواجب على الرحمن أن يمدّه مدّا ، فإن أمر المتكلم مخاطبه أن يأمره بشيء معناه إيجاب المتكلم ذلك على نفسه.
والمد والإمداد واحد لكن ذكر الراغب في المفردات أن أكثر ما جاء الإمداد في المحبوب والمدّ في المكروه والمراد أن من استقرت عليه الضلالة واستمر هو عليها ـ والمراد به الكفار كناية ـ فقد أوجب الله على نفسه أن يمده بما منه ضلالته كالزخارف الدنيويّة في مورد الكلام فينصرف بذلك عن الحق حتى يأتيه أمر الله من عذاب أو ساعة بالمفاجأة والمباهتة فيظهر له الحق عند ذلك ولن ينتفع به.
فقوله : (حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ) الخ ؛ دليل على أن هذا المد خذلان في صورة إكرام والمراد به أن ينصرف عن الحق واتباعه بالاشتغال بزهرة الحياة الدنيا الغارّة فلا يظهر له الحق إلا في وقت لا ينتفع به وهو وقت نزول البأس أو قيام الساعة.
كما قال تعالى : (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ) (المؤمن / ٨٥) ، وقال : (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً) (الأنعام / ١٥٨).
وفي إرجاع ضمير الجمع في قوله : (رَأَوْا ما يُوعَدُونَ) الى (مَنْ) رعاية جانب معناه كما أن في إرجاع ضمير الافراد في قوله : (فَلْيَمْدُدْ لَهُ) اليه رعاية جانب لفظه.
وقوله : (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً) قوبل به قولهم السابق : (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) أما مكانهم حين يرون العذاب ـ والظاهر أن المراد به
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
