وقوله : (انْتَبَذَتْ) الى آخر القصة تفضيل المظروف الذي هو نبأ مريم ، والمعنى واذكر يا محمد في هذا الكتاب نبأ مريم حين اعتزلت من أهلها في مكان شرقي ، وكأنه شرقي المسجد.
قوله تعالى : (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا) الحجاب ما يحجب الشي لله ويستره عن غيره ، وكأنها اتخذت الحجاب من دون أهلها لتنقطع عنهم وتعتكف للعبادة كما يشير اليه قوله : (كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً) (آل عمران / ٣٧) وقد مر الكلام في تفسير الآية.
وأما قوله : (إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) ـ الى أن قال ـ (قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (آل عمران / ٤٧).
وإضافة الروح اليه تعالى للتشريف مع إشعار بالتعظيم ، وقد تقدم كلام في معنى الروح في تفسير قوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) الآية (الإسراء / ٨٥) (١).
قوله تعالى : (قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) ابتدرت الى تكليمه لما أدهشها حضوره عندها وهي تحسب أنه بشر هجم عليها لأمر يسوؤها واستعاذت بالرحمن استدرارا للرحمة العامة الإلهية التي هي غاية آمال المنقطعين اليه من أهل القنوت.
واشتراطها بقولها : (إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) من قبيل الاشتراط بوصف يدّعيه المخاطب لنفسه أو هو محقق فيه ليفيد إطلاق الحكم المشروط وعليّة الوصف للحكم ، والتقوى وصف جميع يشق على الإنسان أن ينفيه عن نفسه ويعترف بفقده فيؤل المعنى الى مثل قولنا : إني أعوذ وأعتصم بالرحمان منك إن كنت تقيا ومن الواجب أن تكون تقيا فليردعك تقواك عن أن تتعرض بي وتقصدني بسوء.
__________________
(١) مريم ١٦ ـ ٤٠ : كلام في معنى التمثل.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4690_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
