قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ) الخ ؛ تعليل للنهي السابق ببيان ما للمنهي عنه من الشأن فإن اصل النظم بحسب المعنى المستفاد من السياق أن يقال : لا تكونن من المكذّبين لأن المكذّبين لا يؤمنون فيكونون خاسرين لأن رأس مال السعادة هو الإيمان فوضع قوله : (الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) موضع «المكذبين» للدلالة على سبب الحكم وأن المكذّبين إنما يخسرون لأن كلمة الله سبحانه تحق عليهم فالأمر على كل حال الى الله سبحانه.
والكلمة الإلهية التي حقت على المكذّبين بآيات الله هي قوله يوم شرع الشريعة العامة لآدم وزوجته فمن بعدهما من ذريتهما : (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً) ـ الى قوله ـ (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (البقرة / ٣٩).
وهذا هو الذي يريده بقوله في مقام بيان سبب خسران المكذّبين : (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) وهم المكذّبون حقت عليهم كلمة العذاب فهم (لا يُؤْمِنُونَ) ولذلك كانوا خاسرين لأنهم ضيعوا رأس مال سعادتهم وهو الإيمان فحرموه وحرموا بركاته في الدنيا والآخرة ، وإذ حق عليهم أنهم لا يؤمنون فلا سبيل لهم الى الإيمان ولو جاءتهم كل آية (حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) ولا فائدة في الإيمان الاضطراري.
قوله تعالى : (فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ) الخ ؛ ظاهر السياق أن لولا للتحضيض ، وأن المراد بقوله : (آمَنَتْ) الإيمان الاختياري الصحيح كما يشعر به قوله بعده : (فَنَفَعَها إِيمانُها) ولوقوع التحضيض على أمر ماض لم يتحقق أفادت الجملة معنى اليأس المساوق للنفي فاستقام الاستثناء الذي في قوله : (إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ.)
والمعنى : هلّا كانت قرية ـ من هذه القرى التي جاءتهم رسلنا فكذبوهم ـ آمنت قبل نزول العذاب إيمانا اختياريا فنفعها إيمانها. لا ولم يؤمن إلّا قوم يونس لما آمنت كشفنا عنهم عذاب
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
