بيان :
قوله تعالى : (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) تتمة كلام يوسف عليهالسلام يأمر فيه إخوته أن يذهبوا بقميصه الى أبيه فيلقوه على وجهه ليشفي الله به عينيه ويأتي بصيرا بعد ما صار من كثرة الحزن والبكاء ضريرا لا يبصر.
وهذا آخر العنايات البديعة التي أظهرها الله سبحانه في حق يوسف عليهالسلام على ما يقصه في هذه السورة مما غلب الله الاسباب فحولها الى خلاف الجهة التي كانت تجري اليها حسده إخوته فاستذلوه وغربوه عن مستقره بالقائه في الجب وبيعه من السيارة بثمن بخس فجعل الله سبحانه هذا السبب بعينه سببا لقراره في بيت عزيز مصر في أكرم مثوى ثم أقره في أريكة عزة تضرع اليه أمامها إخوته بقولهم : (يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ).
ثم أحبته امرأة العزيز ونسوة مصر فراودنه عن نفسه ليوردنه في مهلكة الفجور فحفظه الله وجعل ذلك سببا لظهور براءة ساحته وكمال عفته ، ثم استذلوه فسجنوه فجعله الله سببا لعزته وملكه.
وجاء إخوته الى أبيه يوم ألقوه في غيابة الجب بقميصه الملطخ بالدم فأخبروه بموته كذبا فكان القميص سببا لحزن أبيه وبكائه في فراق ابنه حتى ابيضت عيناه وذهب بصره فرد الله سبحانه به بصره اليه وبالجملة اجتمعت الأسباب على خفضه وأراد الله سبحانه رفعه فكان ما أراده الله دون الذي توجهت اليه الأسباب والله غالب على أمره.
وقوله : (وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) أمر منه بانتقال بيت يعقوب من يعقوب وأهله وبنيه وذراريه جميعا من البدو الى مصر ونزولهم بها.
![مختصر الميزان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] مختصر الميزان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4689_mukhtasar-almizan-fi-tafsir-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
